الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

272

تفسير روح البيان

حلالا وهو ما انحل عنه عقد الحظر طَيِّباً طاهرا من جميع الشبه صفة حلالا أو الحلال ما يستطيبه الشرع والطيب ما يستطيبه الشهوة المستقيمة اى يستلذه الطبع وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ الخطوة بالفتح المرة من نقل القدم وبالضم بعد ما بين قدمي الماشي يقال اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واسنن بسنته اى لا تقتدوا بآثاره وطرقه ومذاهبه في اتباع الهوى وهي وساوسه فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل للنهي اى ظاهر العداوة عند ذوى البصيرة واما عند متبعى الهوى الذين لا بصيرة لهم فهو كولى حميم حيث يدلهم على مشتهات نفوسهم ولذائذ مراداتها المستحسنة فقوله مبين من ابان بمعنى بان وظهر وجعله الواحدي من ابان المتعدى حيث قال إنه عدو مبين قد ابان عداوته لكم بإبائه السجود لأبيكم آدم وهو الذي أخرجه من الجنة إِنَّما يَأْمُرُكُمْ اى يوسوس لكم شبه تسلطه عليهم بآمر مطاع وشبهوا في قبولهم للوسوسة وطاعتهم له بالطبع بمأمور مطيع وفيه رمز إلى أنهم بمنزلة المأمورين المنقادين له تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم بِالسُّوءِ وهو كل ما ساءك في عاقبتك يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من اعمال الجوارح أو اعمال القلوب لاشتراك كلها في أنها تسوء صاحبها وتحزنه وَالْفَحْشاءِ من عطف الخاص على العام اى أقبح أنواع المعاصي وأعظمها مساءة فالزنى فاحشة والبخل فاخشة وكل فعلة قبيحة فاحشة وأصل الفحش مجاورة القدر في كل شئ وجعل البيضاوي المغايرة بين السوء والفحشاء بحسب المفهوم دون الذات فإنه سميت المعصية سوأ لاغتمام العاقل بها وفحشاء باستقباحه إياها فاطلاق السوء والفحشاء على المعصية من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة مثل رجل عدل وَأَنْ تَقُولُوا اى يأمركم بان تفتروا عَلَى اللَّهِ بأنه حزم هذا أو ذاك ما لا تَعْلَمُونَ ان اللّه تعالى امر به وهو أقبح ما امر به الشيطان من القبائح لان وصفه تعالى بما لا ينبغي ان يوصف به من أعظم أنواع الكبائر كما أن الفحشاء أقبح أنواع السوء * فان قيل كيف يأمرنا الشيطان بذلك ونحن لا نراه ولا نسمع كلامه فكيف وسوسته وكيف وصوله إلى القلب * قلنا وهو كلام خفى على ما قيل تميل اليه النفوس والطبع وقد قيل يدخل في جسد ابن آدم لأنه جسم لطيف ويوسوس وهو انه يحدث النفس بالأفكار الرديئة قال تعالى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ومن دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( اللهم اعمر قلبي من وساوس ذكرك واطرد عنى وساوس الشيطان ) * قال في اكام المرجان وينحصر ما يدعو الشيطان اليه ابن آدم ويوسوس له في ست مراتب * المرتبة الأولى مرتبة الكفر والشرك ومعاداة رسوله فإذا ظفر بذلك من ابن آدم بردانينه واستراح من تعبه معه لأنه حصل منتهى أمنيته وهذا أول ما يريده من العبد * المرتبة الثانية البدعة وهي أحب اليه من الفسوق والمعاصي لان المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لان صاحبها يظنها حقيقة صحيحة فلا يتوب * فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الثالثة وهي الكبائر على اختلاف أنواعها * فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الرابعة وهي الصغائر التي إذا اجتمعت صارت كبيرة والكبائر ربما أهلكت صاحبها كما قال عليه السلام ( إياكم ومحقرات الذنوب ) فان مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كل واحد بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة وطبخوا وشبعوا * فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة