الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

242

تفسير روح البيان

قُولُوا أيها المؤمنون آمَنَّا بِاللَّهِ وحده وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا اى بالقرآن الذي انزل على نبينا والانزال اليه إنزال إلى أمته لان حكم المنزل يلزم الكل وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ من صحفه العشر وَ ما انزل إلى إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَ إلى الْأَسْباطِ جمع سبط وهو في أصل شجرة واحدة لها أغصان كثيرة والمراد هنا أولاد يعقوب وهم اثنا عشر سموا بذلك لأنه ولد لكل منهم جماعة وسبط الرجل حافده اى ولد ولده والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم وهم جماعة من أب وأم وكان في الأسباط أنبياء والصحف وان كانت نازلة إلى إبراهيم لكن من بعده حيث كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها جعلت منزلة إليهم كما جعل القرآن منزلا إلينا وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التوراة والإنجيل وتخصيصهما بالذكر لما ان الكلام مع اليهود والنصارى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ جملة المذكورين منهم وغير المذكورين مِنْ رَبِّهِمْ في موضع الحال من العائد المحذوف والتقدير وبما أوتيه النبيون منزلا عليهم من ربهم لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كاليهود فنؤمن ببعض ونكفر ببعض وكيف نفعل ذلك والدليل الذي أوجب علينا ان نؤمن ببعض الأنبياء وهو تصديق اللّه إياه بخلق المعجزات على يديه يوجب الايمان بالباقين فلو آمنا ببعضهم وكفرنا بالبعض لناقضنا أنفسنا والجملة حال من الضمير في آمنا وانما اعتبر عدم التفريق بينهم مع أن الكلام فيما أوتوه لا يستلزم عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريق بين ما أوتوه واحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ اى والحال انا مخلصون للّه تعالى ومذعنون فَإِنْ آمَنُوا اى اليهود والنصارى بِمِثْلِ ما اى بمثل الدين الذي آمَنْتُمْ بِهِ هذا من باب التعجيز والتبكيت اى الزام الخصم والجائه إلى الاعتراف بالحق بإرخاء عنانه وسد طرق المجادلة عليه والمثل مقحم والمعنى فان آمنوا بما آمنتم به وهو اللّه تعالى فإنه ليس للّه تعالى مثل وكذا لدين الإسلام فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحاد والاتفاق وَإِنْ تَوَلَّوْا اى ان اغضوا عن الايمان على الوجه المذكور بان أخلوا بشئ من ذلك كأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو ديدنهم ودينهم فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ اى مستقرون في خلاف عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب ايمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون فقوله في شقاق خبر لقوله هم وجعل الشقاق ظرفا لهم وهم مظروفون له مبالغة في الاخبار باستيلائه عليهم فإنه أبلغ من قولك هم مشاقون والشقاق مأخوذ من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة ولما دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وان ذلك مما يؤدى إلى الجدال والقتال لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتفريح المؤمنين بوعد النصرة والغلبة وضمان التأييد والإعزاز بالسين للتأكيد الدالة على تحقق الوقوع البتة فقيل فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ الضميران منصوبا المحل على أنهما مفعولان ليكفى يقال كفاه مؤنته كفاية وان كثر استعماله معدى إلى واحد نحو كفاك الشيء والظاهران المفعول الثاني حقيقة في الآية هو المضاف المقدر اى فسيكفى اللّه إياك امر اليهود والنصارى