الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
235
تفسير روح البيان
الثلاثة لم يطلق العزيز فكم من شئ يقل وجوده ولكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا وكم من شئ يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن إذا لم يصعب الوصول اليه لم يسم عزيزا كالشمس مثلا فإنها لا نظير لها والأرض كذلك والنفع عظيم في كل واحدة منهما والحاجة شديدة إليهما ولكن لا توصفان بالعزة لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعاني الثلاثة * ثم في كل من المعاني الثلاثة كمال ونقصان فالكمال في قلة الوجود ان يرجع إلى واحد إذ لا أقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا الا اللّه تعالى فان الشمس وان كانت واحدة في الوجود فليست واحدة في الإمكان فيمكن وجود مثلها والكمال في النفاسة وشدة الحاجة ان يحتاج اليه كل شئ في كل شئ حتى في وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك الكمال الا للّه تعالى فهو العزيز المطلق الحق الذي لا يوازيه فيه غيره والعزيز من العباد من يحتاج اليه عباد اللّه في أهم أمورهم وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب إدراكه وهذه رتبة الأنبياء عليهم السلام ويشاركهم في العز من يتفرد بالقرب من درجتهم في عصره كالخلفاء وورثتهم من العلماء وعزة كل واحد بقدر علو رتبته عن سواه في النيل والمشاركة وبقدر عنائه في ارشاد الخلق والحق ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأجل العلوم وأجل الأشياء هو اللّه تعالى ولا يعرف كنه معرفته غيره فهو الحكيم المطلق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم إذ أجل العلوم هو العلم الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء وشبهة ولا يتصف بذلك الا علم اللّه تعالى وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيما وكمال ذلك أيضا ليس الا للّه تعالى فهو الحكيم المطلق ومن عرف جميع الأشياء ولم يعرف اللّه تعالى لم يستحق ان يسمى حكيما لأنه لم يعرف أجل الأشياء وأفضلها والحكمة أجل العلوم وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ولا أجل من اللّه ومن عرف اللّه فهو حكيم وان كان ضعيف المنة في سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها الا ان نسبة حكمة العبد إلى حكمة اللّه تعالى كنسبة معرفته إلى معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ولكنه مع بعده عنه فهو أنفس المعارف وأكثرها خيرا ومن اوتى الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يتذكر الا أولوا الألباب نعم من عرف اللّه كان كلامه مخالفا لكلام غيره فإنه فلما يتعرض للجزئيات بل يكون كلامه جمليا ولا يتعرض لمصالح العاجلة بل يتعرض لما ينفع في العاقبة ولما كانت الكلمات الكلية اظهر عند الناس من أحوال الحكيم من معرفته باللّه ربما اطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال للناطق بها حكيم وذلك مثل قول سيد الأنبياء عليه السلام . رأس الحكمة مخافة اللّه . الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه . ما قل وكفى خير مما كثر والهى . السعيد من وعظ بغيره . القناعة مال ينفد . الصبر نصف الايمان . اليقين الايمان كله . فهذه الكلمات وأمثالها تسمى حكمة وصاحبها يسمى حكيما انتهى كلام الغزالي * ثم إن في الآية إشارة إلى أن في إرسال الرسل حكمة اى مصلحة وعاقبة حميدة لان عمارة الظاهر وإنارة الباطن ونظام العالم بهم لا بغيرهم ولورثتهم من الأولياء الكاملين حظ أوفى