الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
233
تفسير روح البيان
وتضرعنا الْعَلِيمُ بكل المعلومات التي من زمرتها نياتنا في جميع اعمالنا ودل هذا القول على أنه لم يقع منهما تقصير بوجه ما في إتيان المأمور به بل بذلا في ذلك غاية ما في وسعهما فان المقصر المتساهل كيف يتجاسر على أن يقول بأطلق لسان وارق جنان انك أنت السميع العليم * ودلت الآية أيضا على أن الواجب على كل مأمور بعبادة وقربة إذا فرغ منها وأداها كما امر بها وبذل في ذلك ما في وسعه ان يتضرع إلى اللّه ويبتهل ليتقبل منه وان لا يرد عليه فيضيع سعيه وان لا يقطع القول بأن من أدى عبادة وطاعة تقبل منه لا محالة إذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنى فالقبول والرد اليه تعالى ولا يجب عليه شئ رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ اى مخلصين لك فالمراد بالمسلم من يجعل نفسه وذاته خالصا للّه تعالى بان يجعل التذلل والتعظيم الواقع منه للسان والأركان والجنان خالصا له تعالى ولا يعظم معه تعالى غيره ويعتقد بأن ذاته وصفاته وأفعاله خالصة له تعالى خلقا وملكا لا مدخل في شئ منها لاحد سواه أو المعنى واجعلنا مستسلمين لك منقادين بالرضى بكل ما قدرت وبترك المنازعة في أحكامك فان الإسلام إذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد والرضى بالقضاء فان قلت لا شك انهما كانا مخلصين ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما * قلت المراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان أو الثبات عليه فهذا تعليم منهما الناس الدعاء للتثبيت على الايمان فإنهما لما سألا ذلك مع امنهما من زواله عنهما فكيف غيرهما مع خوفه وسألا أيضا الثبات على الانقياد فاجيبا إلى ذلك حتى اسلم إبراهيم للالقاء في النار وإسماعيل للامر بالذبح وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ اى واجعل بعض ذريتنا جماعة مخلصة لك بالعبادة والطاعة * وانما خص الذرية بالدعاء مع أن الأنسب بحال أصحاب الهمم لا سيما الأنبياء ان لا يخصوا ذريتهم بالدعاء لكنهما خصاهم لوجهين الأول كونهم أحق بالشفقة كما في قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً فدعوا لأولادهما ليكثر ثوابهما بهم وفي الحديث ( ما من رجل من المسلمين يخلف من بعده ذرية يعبدون اللّه تعالى الا جعل اللّه له مثل أجورهم ما عبد اللّه منهم عابد حتى تقوم الساعة ) والثاني انه وان كان تخصيصا صورة الا انه تعميم معنى لان صلاح أولاد الأنبياء سبب وطريق لصلاح العامة فكأنهما قالا وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريتنا وخصا البعض من ذريتهما لما علما ان من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وطريق علمها بذلك امر ان تنصيص اللّه تعالى بذلك بقوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * والاستدلال بان حكمة اللّه تعالى تقتضى ان لا يخلوا لعالم عن أفاضل وأوساط وارذال فالافاضل هم أهل اللّه الذين هم أخلصوا أنفسهم للّه بالإقبال الكلى عليه والأوساط هم أهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة في نيل المثوبات والأرذال هم أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون جل همتهم عمارة الدنيا وتهيئة أسبابها * وقد قيل عمارة الدنيا بثلاثة أشياء أحدها الزراعة والغرس والثاني الحماية والحرب والثالث جلب الأشياء من مصر إلى مصر ومن أكب على هذه الأشياء ونسي الموت والبعث والحساب وسعى لعمارة الدنيا سعيا بليغا ودقق في اعمال فكره تدقيقا عجيبا فهو منوغل في الجهل والحماقة ولهذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا : وفي المثنوى