الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

226

تفسير روح البيان

ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم وسألها عن عيشهم قالت نحن في خير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز برّ أو شعير أو تمر لكانت أكثر ارض اللّه برّا أو شعيرا أو تمرا وقالت له انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه وهو راكب فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقى اثر قدميه عليه وقال لها إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم جاء شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال ذاك إبراهيم وأنت عتبة بابى أمرني ان امسكك ثم لبث عنهم ما شاء اللّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبرى نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم فلما رآه قام اليه فصنع كما يصنع الولد بالوالد ثم قال يا إسماعيل ان اللّه أمرني بأمر أتعينني عليه قال أعينك عليه قال أمرني ان ابني هاهنا بيتا فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبنى فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجر وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم لما فرغ من بناء الكعبة قيل له اذن في الناس بالحج فقال كيف أنادي وانا بين الجبال ولم يحضرني أحد فقال اللّه عليك النداء وعليّ البلاغ فصعد أبا قبيس وصعد هذا الحجر وكان قد خبئ في أبى قبيس أيام الطوفان فارتفع هذا الحجر حتى علا كل حجر في الدنيا وجمع اللّه له الأرض كالسفرة فنادى يا معشر المسلمين ان ربكم بنى لكم بيتا وأمركم ان تحجوه فأجابه الناس من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات فمن اجابه مرة حج مرة ومن اجابه عشرا حج عشرا وفي الحديث ( ان الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا مماسة أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب ) والمراد منهما الحجر الأسود والحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ اى امرناهما امرا مؤكدا ووصينا إليهما فان العهد قد يكون بمعنى الأمر والوصية يقال عهد اليه اى امره ووصاه ومنه قوله تعالى أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ وانما سمى إسماعيل لان إبراهيم كان يدعو إلى اللّه ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو اللّه فلما رزق سماه به أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ اى بان طهراه من الأوثان والأنجاس وما يليق به والمراد احفظاه من أن ينصب حوله شئ منها واقراه على طهارته كما في قوله تعالى وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ فإنهن لم يطهرن من نجس بل خلقهن طاهرات كقولك للخياط وسع كم القميص فإنك لا تريد ان تقول أزل ما فيه من الضيق بل المراد اصنعه ابتداء واسع الكم لِلطَّائِفِينَ الزائرين حوله وَالْعاكِفِينَ المجاورين الذين عكفوا عنده اى أقاموا لا يرجعون وهذا في أهل الحرم والأول في الغرباء القادمين إلى مكة للزيارة والطواف وان كان لا يختص بهم الا ان له مزيد اختصاص بهم من حيث إن مجاوزة الميقات لا تصح لهم الا بالإحرام وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ اى المصلين جمع راكع وساجد لان القيام والركوع والسجود من هيئات المصلى ولتقارب الركوع والسجود ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما والجلوس في المسجد الحرام ناظرا إلى الكعبة من جملة العبادات