الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
218
تفسير روح البيان
عليه وسلم كما أن تأخير أصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما أكرموا به ليجوزوا شرف الدخول في هذه الأمة * وذهب خاتمة الحفاظ والمحدثين الامام السخاوي في هذه المسألة إلى التوقف حيث قال في المقاصد الحسنة بعد ما أورد الشعر المذكور للحافظ الدمشقي وقد كتبت فيه جزأ والذي أراه الكف عن التعرض لهذا اثباتا ونفيا انتهى * وسئل القاضي أبو بكر ابن العربي أحد الأئمة المالكية عن رجل قال إن آباء النبي عليه السلام في النار فأجاب بأنه ملعون لان اللّه تعالى يقول إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وفي الحديث ( لا تؤذوا الاحياء بسبب الأموات ) وسئل الامام الرستغفني عن قول بعض الناس ان آدم عليه السلام لما بدت منه تلك الزلة اسود منه جميع جسده فلما اهبط إلى الأرض امر بالصيام والصلاة فصام وصلى فابيض جسده أيصح هذا القول قال لا يجوز في الجملة القول في الأنبياء عليهم السلام بشئ يؤدى إلى العيب والنقصان فيهم وقد أمرنا بحفظ اللسان عنهم لان مرتبتهم ارفع وهم على اللّه أكرم وقد قال عليه السلام ( إذا ذكرت أصحابي فأمسكوا ) فلما أمرنا ان لا نذكر الصحابة رضي اللّه عنهم بشئ يرجع إلى العيب والنقص فلأن نمسك ونكف عن الأنبياء أولى وأحق فحق المسلم ان يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا عليه السلام ليست من الاعتقاديات فلاحظ للقلب منها واما اللسان فحقه ان يصان عما يتبادر منه النقصان خصوصا إلى وهم العامة لأنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه فهذا هو البيان الشافي في هذا الباب بطرقه المختلفة التقطته من الكتب النفسية وقرنت كل نظير إلى مثله والحمد للّه تعالى وحده وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ اقناط له عليه السلام من طمعه في إسلامهم حيث علق رضاهم عنه بما لا سبيل اليه وما يستحيل وجوده وإذا لم يرضوا عنه فكيف يتبعون ملته اى دينه اى لن ترضى عنك اليهود الا باليهود والصلاة إلى قبلتهم وهي المغرب ولا النصارى الا بالتنصر والصلاة إلى قبلتهم وهي المشرق ووحد الملة لان الكفر ملة واحدة وهذه حكاية لمقالتهم بان قالوا لن نرضى عنك حتى تتبع ملتنا وادعوا بتلك المقالة ان ملتهم هي الهدى لا ما سواها فامره اللّه تعالى بقوله قُلْ ان يرد عليهم بطريق قصر القلب ويقول إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى إلى الحق لا ما تدعون اليه من الملة الزائغة فإنها هوى كما يعرب عنه قوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ اى آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها * واما ما شرعه اللّه من الشريعة على لسان الأنبياء عليهم السلام وهو المعنى الحقيقي للملة فقد غيروها تغييرا والأهواء جمع هوى وهو رأى عن شهوة داع إلى الضلال وسمى بذلك لأنه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى كل واهية وفي الآخرة إلى الهاوية وانما قال أهواءهم بلفظ الجمع ولم يقل هواهم تنبيها على أن لكل واحد هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى فلذلك اخبر انه لا يرضى الكل الا باتباع أهواء الكل * واعلم أن الطريقة المشروعة تسمى ملة باعتبار ان الأنبياء الذين أظهروها قد املوها وكتبوها لامتهم كما انها تسمى دينا باعتبار طاعة العباد لمن سنها وانقيادهم لحكمه وتسمى أيضا شريعة باعتبار كونها مورد للمتعطشين إلى زلال ثوابه ورحمته والخطاب في قوله ولئن اتبعت متوجه إلى النبي