الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

206

تفسير روح البيان

ينمو له إلى يوم القيامة * اما الثلاث المذكورة في الحديث فإنها اعمال تحدث بعد وفاته لا تنقطع عنه لأنه سبب لها فيلحقه منها ثواب * والرابع ما يتولد من الروح وهي الأولاد المعنوية التي تولدت من التربية كأولاد المشايخ الكاملين من الصوفية المتشرعين المحققين وهذا القسم يمكن ان يندرج فيما قبله فافهم وَقالُوا نزلت في وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا في مجلس رسول اللّه عليه السلام مع اليهود فكذب بعضهم بعضا فقالت اليهود لبنى نجران لن يدخل الجنة الا اليهود وقال بنوا نجران لليهود لن يدخلها الا النصارى فقال اللّه قال أهل الكتاب من اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى لم يقل كانوا حملا للاسم على لفظ من وجمع الخبر حملا على معناه * والهود جمع هائد اى تائب نحوانا هدنا إليك وكأنه كان في الأصل اسم مدح لمن تاب منهم من عبادة العجل ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لجماعتهم كالعلم لهم * والنصارى جمع نصران كسكران تِلْكَ اى ما قالوا بان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا أو نصارى أَمانِيُّهُمْ اى شهواتهم الفاسدة التي تمنوها على اللّه بغير الحق لا حقيقة لها جمع أمنية وهي ما يتمنى افعولة كالاعجوبة * والتمني التشهي والعرب تسمى الكلام العاري عن الحجة تمنيا وغرورا وضلالا وأحلاما مجازا وجمع الأماني باعتبار صدورها عن الجميع من اليهود والنصارى ثم اومأ اللّه إلى بطلان أقوالهم بقوله لنبيه عليه السلام قُلْ هاتُوا أصله أتوا قلبت الهمزة هاء وهو أمر تعجبي اى احضروا بُرْهانَكُمْ حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ولم يقل براهينكم لان الدعوى كانت واحدة وهي نفى دخول غيرهم الجنة والحجة على تلك الدعوى واحدة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم فان كل قول لا دليل عليه غير ثابت بَلى اعلم أن قولهم لن يدخل الجنة إلخ مشتمل على إيجاب ونفى اما الإيجاب فهو ان يدخل الجنة اليهود والنصارى واما النفي فهو ان لا يدخل الجنة غيرهم فقوله بلى اثبات لما نفوه في كلامهم فكأنهم قالوا لا يدخل الجنة غيرنا فأجيبوا بقوله بلى يدخل الجنة غيركم وليس الأمر كما تزعمون مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ اى أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيأ فان اسلام شئ لشئ جعله سالما له بان لا يكون لاحد حق فيه لا من حيث التخليق والمالكية ولا من حيث استحقاق العبادة والتعظيم عبر عنها بالوجه لكونه اشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس والفكر والتخيل فهو مجاز من باب ذكر الجزء وإرادة الكل ومنه قولهم كرم اللّه وجهك ويحتمل ان يكون اخلاص الوجه كناية عن اخلاص الذات لان من جاد بوجهه لا يبخل بشئ من جوارحه ويكون الوجه بمعنى العضو المخصوص وَهُوَ مُحْسِنٌ حال من ضمير اسلم اى وهو مع إخلاصه وتسليم النفس إلى اللّه بالكلية بالخضوع والانقياد محسن في جميع اعماله بان يعملها على وجهة يستصوبها فان إخلاصها للّه لا يستلزم كونها مستحسنة بحسب الشرع وحقيقة الإحسان والإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي وقد فسره صلى اللّه عليه وسلم بقوله ( أن تعبد اللّه كأنك تراه وان لم تكن تراه فإنه يراك ) وهذا المعنى حقيقة الايمان وظاهره الإحسان واما باطنه فمرتبة كنت سمعه وبصره التي هي نتيجة قرب النوافل وهو كون ذات الحق ووجوده مرآة لصفات