الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

204

تفسير روح البيان

اى ان يصرفوكم عن التوحيد مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ يا معشر المؤمنين كُفَّاراً اى مرتدين حال من ضمير المخاطبين في يردونكم ويحتمل ان يكون مفعولا ثانيا ليردونكم على تضمينه معنى يصيرونكم حَسَداً علة لقوله ود كأنه قبل ود كثير ذلك من أجل الحسد مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يجوز ان يتعلق بود على معنى انهم تمنوا ارتدادكم من عند أنفسهم وقبل شهوتهم وأهوائهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم لأنهم ودوا ذلك فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق ويجوز ان يتعلق بحسدا اى حسدا منبعثا من أصل نفوسهم بالغا أقصى مراتبه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ اى من بعد ما ظهر لهم ان محمدا رسول اللّه وقوله حق ودينه حق بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة فَاعْفُوا العفو ترك عقوبة المذنب يقال عفت الريح المنزل درسته وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى ومن ترك المذنب فكأنه درس ذنبه من حيث إنه ترك المكافاة والمجازاة وذلك لا يستلزم الصفح ولذا قال تعالى وَاصْفَحُوا فإنه قد يعفو الإنسان ولا يصفح * والصفح ترك التقريع باللسان والاستقصاء في اللوم يقال صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه بالكلية وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما الرضى بما فعلوا لان ذلك كفر واللّه تعالى لا يأمر به بل المراد بهما ترك المقاتلة والاعراض عن الجواب عن مساوى كلامهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ اى يحكم اللّه بحكمه الذي هو الاذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم أو قتل بني قريظة واجلاء بنى النضير - روى - ان الصحابة رضي اللّه عنهم استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أن يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بأنفسهم ودعوا المسلمين إلى الكفر فنزلت الآية بترك القتال والاعراض عن المكافاة إلى أن يجيئ الاذن من اللّه تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الانتقام منهم وينتقم إذا جاء أوانه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ إلى اللّه تعالى بالعبادة والبر فالمراد الأمر بملازمة طاعة اللّه تعالى من الفرائض والواجبات والتطوعات بقرينة قوله وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ فان الخير يتناول اعمال البر كلها الا انه تعالى خص من بينها أقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر تنبيها على عظم شأنهما وعلو قدرهما عند اللّه تعالى فان الصلاة قربة بدنية ليكون عمل كل عضو شكرا لما أنعم اللّه عليه في ذلك والزكاة قربة مالية ليكون شكرا للأغنياء الذين فضلهم اللّه في الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش بسبب سعتهم في صنوف الأعمال وما تقدموا شرطية اى أي شئ من الخيرات صلاة أو صدقة أو غيرهما تقدموه وتسلفوه لمصلحة أنفسكم تَجِدُوهُ اى ثوابه وجزاءه لاعينه لان عين تلك الأعمال لا تبقى ولان وجدان عينها لا يرغب فيه عِنْدَ اللَّهِ اى محفوظا عنده في الآخرة فتجدوا الثمرة واللقمة فيها مثل أحد ولفظ التقديم إشارة إلى أن المقصود الأصلي والحكمة الكلية في جميع ما أنعم اللّه تعالى به على المكلفين في الدنيا ان يقدموه إلى معادهم ويدخروه ليومهم الآجل كما جاء في الحديث ( ان العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم ) إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ اى عالم لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال والعمل غير مقيد بالخير أو الشر فهو عام شامل للترغيب والترهيب فالترغيب من حيث إنه يدل