الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

19

تفسير روح البيان

فان ظهرت عليه غلبة احكام هذا المقام والذي قبله وهو مقام فبى يسمع غير متقيد بشئ منها ولا بمجموعها مع سريان حكم شهوده الاحدى في كل مرتبة ونسبة دون الثبات على امر بعينه بل ثابتا في سعته وقبوله كل وصف وحكم عن علم صحيح منه بما اتصف به وما انسلخ عنه في كل وقت وحال دون غفلة وحجاب فهو الكامل في العبودية والخلافة والإحاطة والإطلاق كذا في تفسير الفاتحة للصدر القنوى قدس سره * قال في التأويلات النجمية في قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ رجع إلى الخطاب من الغيبة لأنه ليس بين المملوك ومالكه الا حجاب ملك نفس المملوك فإذا عبر من حجاب ملك النفس وصل إلى مشاهدة مالك النفس كما قال أبو يزيد في بعض مكاشفاته الهى كيف السبيل إليك قال له ربه دع نفسك وتعال فللنفس اربع صفات امارة ولوامة وملهمة ومطمئنة فامر العبد المملوك بان يذكر مالكه بأربع صفات بالصفة الإلهية والربوبية والرحمانية والرحيمية فيعبر بعد مدح الإلهية وشكر الربوبية وثناء الرحمانية وتمجيد الرحيمية بقوة جذبات هذه الصفات الأربع من حجاب ممالك الصفات الأربع للنفس فيتخلص من ظلمات ليلة رين نفسه بطلوع صبح صادق مالك يوم الدين فيبقى العبد عبدا مملوكا لا يقدر على شئ فيرحمه مالكه ويذكره بلسان كرمه على قضية وعده فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ويناديه ويخاطب نفسه يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ثم يجذبه من غيبة نفسه إلى شهود مالكية ربه بجذبة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز كما قرأ بعضهم مالك يوم الدين نصبا على نداء إياك نعبد * واعلم أن النفس دنيوية تعبد هواها الدنيوي لقوله تعالى أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ والقلب اخروى يعبد الجنة لقوله تعالى وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى والروح قربى يعبد القربة والعندية لقوله تعالى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ والسر حضرتي يعبد الحق تبارك لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام ( الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ) فلما أنعم اللّه على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده كما قال تعالى على لسان نبيه عليه السلام ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ) فتقرب العبد بنصفه إلى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على صفات جماله وجلاله وتقرب الرب على مقتضى كرمه وانعامه كما قال ( من تقرب إلى شبرا تقربت اليه ذراعا ) بنصفه إلى خلاص عبده من رق عبودية الأغيار بإخراجه من ظلمات بعضها فوق بعض من هوى الناس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق إلى نور وحدانيته وشهود فردانيته فأشرقت ارض النفس وسماوات القلب وعرش الروح وكرسي السر بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون باللّه الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى وجعلوا كلهم واحدا وقالوا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كرر إياك للتنصيص على اختصاصه تعالى بالاستعانة أيضا والاستعانة طلب العون ويعدى بالباء وبنفسه اى نطلب العون على عبادتك أو على ما لا طاقة لنا به أو على محاربة الشيطان المانع من عبادتك أو في أمورنا بما يصلحنا في دنيانا وديننا والجامع للاقاويل نسألك ان تعيننا على أداء الحق وإقامة الفروض وتحمل المكاره وطلب المصالح وتقديم العبادة على الاستعانة ليوافق رؤوس الآي وليعلم منه ان تقديم الوسيلة على طلب الحاجة