الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

176

تفسير روح البيان

عظيمة على الطاعة لان الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق إلى مستحقيها أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا واستبدلوها بِالْآخِرَةِ واعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فان ما ذكر من الكفر ببعض احكام الكتاب انما كان مراعاة لجانب حلفائهم لما يعود إليهم منهم من بعض المنافع الدينية والدنيوية فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ دنيويا كان أو أخرويا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من العذاب بدفعه عنهم بشفاعة أو جبر * اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن واللّه سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيتهما شاء وأراد فإذا اشتغل بتحصيل إحداهما فقد فوت الأخرى على نفسه فجعل اللّه ما اعرض اليهود عنه من الايمان بما في كتابهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء وذلك من اللّه نهاية الذم لهم لان المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم فان يدم مشترى الدنيا بالآخرة أولى * فعلى العاقل ان يرغب في تجارة الآخرة ولا يركن إلى الدنيا ولا يسفك دمه بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس ولا يخرج من ديار دينه التي كان عليها في أصل الفطرة فإنه إذا يضل ويشقى وفي قوله لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ إشارة أخرى إلى أن العبد ولا يجوز له ان يقتل نفسه من جهد أو بلاء يصيبه أو يهيم في الصحراء ولا يأتي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه فهو عام في جميع ذلك * وقد روى أن بعض الصحابة رضى اللّه عنهم عزموا ان يلبسوا المسوح وان يهيموا في الصحراء ولا يأووا إلى البيوت ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فقال عليه السلام ( انى أصلي وأنام وأصوم وأفطر واغشى النساء وآوى إلى البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس منى ) فرجعوا عما عزموا قال تعالى وآت كل ذي حق حقه فالكمال في التجاوز عن القيود والوصول إلى عالم الشهود وعين العارف لا ترى غير اللّه في المرايا والمظاهر فمن أي شئ يهرب وإلى ابن يهرب فأينما تولوا فثم وجه اللّه ولذا قيل الذي يطلب العلم للّه إذا قيل له غدا تموت لا يضيع الكتاب من يده لكونه وفي الحقوق مشتغلا به للّه مخلصا له النية فلم ير أفضل مما هو فيه فيحب ان يأتيه الموت على ذلك * واعلم أيضا ان الأسارى أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فانقاذه بالدلالة على الهدى ومن أسير في قيد حب الدنيا فخلاصة بإخلاص ذكر الموت : وفي المثنوى ذكر حق كن بأنك غولانرا بسوز * چشم نركس را أزين كركس بدوز ومن أسير بقي في قيد الوسواس فقد استهوته الشياطين ففداؤه برشده إلى اليقين بلوائح البراهين لينقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمات التقليد وما تعود بالتلقين ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ففك اسره في إرشاده إلى اقلاعها ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في الدلالة على الحق فيما يحل عنه وثاق الكون ومن أسير نجده في قبضة الحق فليس لاسيرهم فداء ولا لقتيلهم قود ولا لربيطهم خلاص ولا منهم بدل ولا معهم جدل ولا إليهم لغيرهم سبيل ولالديهم الا بهم دليل ولا بهم فرار ولا معهم قرار فهذا مقام الأولياء الكمل فمن اتخذ هذه الطريقة سبيلا نال مراده ووصل إلى مقام فؤاده