الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
17
تفسير روح البيان
قال السعدي قدس سره مها زورمندى مكن بر جهان * كه بر يك نمط مى نماند جهان نماند ستمكار بد روزكار * بماند برو لعنت پايدار إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بنى اللّه سبحانه أول الكلام على ما هو مبادى حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه والنظر في آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شانه وتأثير سلطانه ثم قفى بما هو منتهى امره وهو ان يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة فيراه عيانا ويناجيه شفاها اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر * وفيه إشارة أيضا إلى أن العابد ينبغي ان يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات ومنه إلى العبادة لا من حيث إنها عبادة صدرت منه بل من حيث إنها نسبة شريفة ووصلة بينه وبين الحق فان العارف انما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى أنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها الا من حيث إنها ملاحظة له ومنتسب اليه ولذلك فضل ما حكى عن حبيبه حين قال ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ) على ما حكاه عن كليمه حيث قال إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ وتقديم المفعول لقصد الاختصاص اى نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك والعبادة غاية الخضوع والتذلل * وعن عكرمة جميع ما ذكر في القرآن من العبادة التوحيد ومن التسبيح الصلاة ومن القنوت الطاعة * وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما ان جبريل عليه السلام قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم قل يا محمد ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) اى إياك نؤمل ونرجو لا غيرك والضمير المستكن في ( نَعْبُدُ ) وكذا في نَسْتَعِينُ للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة أوله ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها وتجاب ولهذا شرعت الجماعة * قال الشيخ الأكبر والمسك الأذفر قدسنا اللّه بسره الأطهر في كتاب العظمة إذا كنى العبد عن نفسه بنون نفعل فليست بنون التعظيم وإذا كنى عن الحق تعالى بضمير الافراد فان ذلك لغلبة سلطان التوحيد في قلب هذا العبد وتحققه به حتى سرى في كليته فظهر ذلك في نطقه لفظا كما كان عقدا وعلما ومشاهدة وعينا وهذه النون نون الجمع فان العبد وان كان فردانى اللطيفة وحداني الحقيقة فإنه غير وحداني ولا فردانى من حيث لطيفته ومركبها وهيكلها وقالبها وما من جزء في الإنسان الا والحق تعالى قد طالب الحقيقة الربانية التي فيه ان تلقى على هذه الاجزاء ما يليق بها من العبادات وهي في الجملة وان كانت المدبرة فلها تكليف يخصها ويناسب ذاتها فلهذه الجمعية يقول العبد للّه تعالى نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد وإياك نعبد وأمثال هذا الخطاب ولقد سألني سائل من علماء الرسوم عن هذه المسألة وكان قد حار فيها فأجبته بأجوبة منها هذا فشفى غليله والحمد للّه انتهى كلام الشيخ قدس سره * وانما خصص العبادة به تعالى لان العبادة نهاية التعظيم فلا تليق الا بالمنعم في الغاية وهو المنعم بخلق المنتفع وبإعطاء الحياة الممكنة من الانتفاع كما قال تعالى وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ الآية خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ولان أحوال العبد ماض وحاضر ومستقبل ففي الماضي نقله من العدم والموت والعجز والجهل إلى الوجود والحياة والقدرة والعلم بقدرته الأزلية وفي الحاضر انفتحت عليه أبواب الحاجات ولزمته أسباب الضروريات فهو رب الرحمن الرحيم وفي المستقبل مالك يوم الدين يجازيه بأعماله