الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
156
تفسير روح البيان
الحق واتباع الشريعة باستيلاء قوة الطبيعة بعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاق ابتلاء من اللّه فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى كما كان حال المصرين منكم والمعتدين وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ خطاب لمعاصرى النبي صلى اللّه عليه وسلم من اليهود اى وباللّه قد عرفتم يا بني إسرائيل الَّذِينَ اعْتَدَوْا اى تجاوزوا الحد ظلما مِنْكُمْ من اسلافكم محله نصب على أنه حال فِي يوم السَّبْتِ اى جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد * وأصل السبت القطع لان اليهود أمروا بان يسبتوا فيه اى يقطعوا الأعمال ويشتغلوا بعبادة اللّه ويسمى النوم سباتا لأنه يقطع الحركات الاختيارية وفيه تحذير وتهديد فكأنه يقول انكم تعلمون ما أصابهم من العقوبة فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم * والقصة فيه انهم كانوا في زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها أيلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم حرم اللّه عليهم صيد السمك يوم السبت فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر الا اجتمع هناك اما ابتلاء لأولئك القوم واما لزيارة السمكة التي كان في بطنها يونس ففي كل سبت يجتمعن لزيارتها ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها وإذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شئ منها ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال انما نهيتم عن أخذها يوم السبت فعمد رجال من أهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فاقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا يقدرون على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فإذا كان يوم الأحد يصطادونها فاخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا فكثرت أموالهم ففعلوا ذلك زمانا أربعين سنة أو سبعين لم تنزل عليهم عقوبة وكانوا يتخوفون العقوبة فلما لم يعاقبوا استبشروا وتجرأوا على الذنب وقالوا ما نرى السبت الا قد أحل لنا ثم استن الأبناء سنة الآباء فلو انهم فعلوا ذلك مرة أو مرتين لم يضرهم فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية وكانوا نحوا من سبعين ألفا ثلاثة أصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة وكان الناهون اثنى عشر ألفا فنهوهم عن ذلك وقالوا يا قوم انكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم فانتهوا عن هذا العمل قبل ان ينزل بكم البلاء فلم يتعظوا وأبوا قبول نصحهم فعاقبهم اللّه بالمسخ وذلك قوله تعالى فَقُلْنا لَهُمْ قهرا كُونُوا قِرَدَةً جمع قرد كالديكة جمع ديك بالفارسية « بوزينه » وهذا امر تحويل لأنهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة إلى صورة وهو إشارة إلى قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اى لما أردنا ذلك صاروا كما أردنا من غير امتناع ولا لبث خاسِئِينَ هو وقردة خبران اى كونوا جامعين بين القردية والخسء وهو الصغار والطرد وذلك ان المجرمين لما أبوا قبول النصح قال الناهون واللّه لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وصيروها بذلك ثنتين فلعنهم داود وغضب اللّه عليهم لاصرارهم على المعصية فمسخوا ليلا فلما أصبح الناهون أتوا أبوابها فإذا هي مغلقة لا يسمع منها صوت