الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

140

تفسير روح البيان

وان كانت صوتا هائلا فقد مات بعضهم أولا ورأى الباقون انهم مانوا ويسمى هذا رؤية الموت مجازا ثُمَّ بَعَثْناكُمْ اى أحييناكم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ بتلك الصاعقة وقيد البعث بقوله من بعد موتكم مع أنه يكون بعد الموت لما انه قد يكون من الإغماء أو من النوم * قال قتادة أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم وكان ذلك الموت بلا أجل وكانت تلك الموتة لهم كالسكتة لغيرهم قبل انقضاء آجالهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة * فان قلت كيف يجوز ان يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز ان يكلف أهل الآخرة إذا بعثوا بعد الموت * قلنا الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة هو الإماتة ثم الاحياء وانما يمنع من ذلك لأنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم اللّه بالصعقة ان لا يكون قد اضطرهم وإذا كان كذلك صح ان يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الاحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمة الحياة بالتوحيد والطاعة أو لعلكم تشكرون وقت مشاهدتكم بأس اللّه بالصاعقة نعمة الايمان التي كفرتموها بقولكم لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة فان ترك النعمة لأجل طلب الزيادة كفران لها اى لعلكم تشكرون نعمة الايمان فلا تعودون إلى اقتراح شئ بعد ظهور المعجزة * وأصل القصة ان موسى عليه السلام لما رجع من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وأحرق العجل وألقاه في البحر وندم القوم على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين امر اللّه موسى ان يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون اليه من عبادة العجل فاختار موسى سبعين من قومه من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى سل ربنا حتى يسمعنا كلامه فسأل موسى عليه السلام ذلك فاجابه اللّه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه وقال للقوم ادخلوا فكلم اللّه موسى يأمره وينهاه وكلما كلمه تعالى أوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع أحد من السبعين النظر اليه وسمعوا كلامه تعالى مع موسى افعل لا تفعل فعند ذلك طمعوا في الرؤية وقالوا ما قالوا فاخذتهم الصاعقة فخروا صعقين ميتين يوما وليلة فلما ماتوا جميعا جعل موسى يبكى ويتضرع رافعا يديه إلى السماء يدعو ويقول يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم وماذا أقول لهم إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم قبل هذا اليوم مع أصحاب العجل أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم اللّه ورد إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال لا الا ان يقتلوا أنفسهم قالوا إن موسى عليه السلام سأل الرؤية في المرة الأولى في الطور ولم يمت لان صعقته لم تكن موتا ولكن غشية بدليل قوله تعالى فَلَمَّا أَفاقَ وسأل قومه في المرة الثانية حين خرجوا للاعتذار وماتوا وذلك لان سؤال موسى كان اشتياقا وافتقارا وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء ولم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت فإنهم ظنوا انه تعالى يشبه الأجسام وطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والاحياز المقابلة للرائي وهي محال وليس