الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
137
تفسير روح البيان
بايجاب العقوبة عليها ونقصتم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ اى معبودا قالوا أي شئ نصنع قال فَتُوبُوا اى فاعزموا على التوبة والفاء للسببية لان الظلم سبب للتوبة إِلى بارِئِكُمْ اى من خلقكم بريئا من العيوب والنقصان والتفاوت وميز بعضكم من بعض بصور وهيئات مختلفة والتعرض لعنوان البارئية للارشاد بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغباوة منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمته بريئا من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة وان من لم يعرف حقوق منعمه حقيق بان تسترد هي منه ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب وقالوا كيف نتوب قال فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ اى ليقتل البريء منكم المجرم وانما قال أنفسكم لان المؤمنين اخوة وأخو الرجل كأنه نفسه قال تعالى وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى ذكر قتل الأنفس وأراد به قتل الاخوان وهذا كما قال ولا تلمزوا أنفسكم اى ولا تغتابوا إخوانكم من المسلمين كذا في التيسير وتفسير أبى الليث * والفاء للتعقيب وتوبتهم هي قتلهم اى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم كذا في الكشاف * وقال في التفسير الكبير وليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان ان توبتهم لا تتم ولا تحصل الا بقتل النفس وانما كان كذلك لان اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام ان توبة المرتد لا تتم الا بالقتل ذلِكُمْ اى التوبة والقتل خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ انفع لكم عند اللّه من الامتناع الذي هو اصرار وفيه عذاب لما ان القتل طهرة من الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية فَتابَ عَلَيْكُمْ خطاب منه تعالى اى ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم وانما لم يقل فتاب عليهم على أن الضمير للقوم لما ان ذلك نعمة أريد التذكير بها للمخاطبين لا لاسلافهم * فان قلت إنه تعالى امر بالقتل والقتل لا يكون نعمة * قلت إن اللّه نبههم على عظيم ذنبهم ثم نبههم على ما به يتخلصون من ذلك العظيم وذلك من النعم في الدين إِنَّهُ اللّه تعالى هُوَ التَّوَّابُ اى الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويبالغ في قبولها منهم الرَّحِيمُ كثير الرحمة للمطيعين امره حيث جعل القتل كفارة لذنوبهم : قال السعدي فرو ماند كانرا برحمت قريب * تضرع كنانرا بدعوت مجيب روى أنهم لما أمرهم موسى بالقتل قالوا نصبر لامر اللّه فجلسوا بالأفنية محتبين مذعنين وقيل لهم من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردود توبته واصلت القوم عليهم الحناجر اى حملوا عليهم الخناجر ورفعوا وضربوهم بها وكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لامر اللّه قالوا يا موسى كيف نفعل فأرسل اللّه ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنوا إسرائيل البقية البقية فكشف اللّه السحابة ونزلت التوبة وأمرهم ان يكفوا عن القتل فقتل منهم سبعون ألفا فكان من قتل شهيدا ومن بقي مغفورة ذنوبه وأوحى إلى موسى عليه السلام انى ادخل القاتل والمقتول الجنة هذا على رواية ان القاتل من المجرمين على أن معنى قوله فاقتلوا أنفسكم