الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

134

تفسير روح البيان

المجيء للميقات إلى الطور مُوسى مفعول أول لواعدنا « مو » بالعبرانية الماء و « شى » بمعنى الشجر فقلبت الشين المعجمة سينا في العربية وانما سمى به لان أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون وألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمى عليه السلام باسم المكان الذي أصيب به وهو الماء والشجر ونسبه عليه الصلاة والسلام موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب إسرائيل اللّه بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام أَرْبَعِينَ لَيْلَةً اى تمام أربعين ليلة على حذف المضاف مفعول ثان امره اللّه تعالى بصوم ثلاثين وهو ذو القعدة ثم زاد عليه عشرا من ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور وشهور العرب وضعت على سير القمر ولذلك وقع بها التاريخ ، فالليالى أولى الشهور والأيام تبع لها أو لان الظلمة اقدم من الضوء ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ وهو ولد البقرة بتسويل السامري آلها ومعبودا مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد مضيه إلى الميقات وانما ذكر لفظه ثم لأنه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لانزال التوراة عليه وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجتهم وتعريفا للغائبين وتكملة للدين كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقب ذلك بأقبح أنواع الكفر والجهل كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول انني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم انك تقصدنى بالسوء والأذى وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ باشراككم ووضعكم للشئ في غير موضعه اى وضع عبادة اللّه تعالى في غير موضعها بعبادة العجل وهو حال من ضمير اتخذتم ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ اى محونا جريمتكم حين تبتم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد الاتخاذ الذي هو متناه في القبح فلم نعاجلكم بالإهلاك بل أمهلناكم إلى مجيئ موسى فنبهكم وأخبركم بكفارة ذنوبكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكي تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة فان الانعام يوجب الشكر وأصل الشكر تصور النعمة وإظهارها وحقيقته العجز عن الشكر : قال السعدي خردمند طبعان منت شناس * بدوزند نعمت بميخ سپاس وَإِذْ آتَيْنا أعطينا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ اى التوراة الجامعة بين كونها كتابا وحجة تفرق بين الحق والباطل كقولك لقيت الغيث والليث تريد الجامع بين الجود والجراءة فالمراد بالفرقان والكتاب واحد لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لكي تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه وهذا بيان الحكمة دون العلة اى الحكمة في انزاله ان يتدبروا فيه فيعلموا ان اللّه تعالى لم يفعل ذلك به الا للدلالة على صحة نبوته فيجتهدوا بذلك في اتباع الرشد وإذا فعلتم ذلك آمنتم بمحمد لأنه قد اتى من المعجزات بما يدلكم إذا تدبرتم على صحة دعواه النبوة * روى أن بني إسرائيل لما آمنوا من عدوهم بإغراق اللّه آل فرعون ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها فوعد اللّه موسى ان ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه انى ذاهب لميقات ربى آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وتذرون ووعدهم أربعين ليلة واستخلف عليهم أخاه هارون فلما اتى الوعد جاءه جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيأ الا حيى