الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
107
تفسير روح البيان
صنعه ما يتحير فيه العقول * ثم اعلم أن اللّه تعالى خلق حواء لامر تقتضيه الحكمة ليدفع آدم وحشته بها لكونها من جنسه وليبقى الذرية على ممر الأزمان والأيام إلى ساعة القيام فان بقاءها سبب لبعثة الأنبياء وتشريع الشرائع والاحكام ونتيجة لامر معرفة اللّه فان اللّه تعالى خلق الخلق لأجلها * وفي الزوجية منافع كثيرة دينية ودنيوية وأخروية ولم يذكر اللّه تعالى في كتابه من الأنبياء الا المتزوجين وقالوا إن يحيى عليه السلام قد تزوج لنيل الفضل وإقامة السنة ولكن لم يجامع لكون ذلك عزيمة في تلك الشريعة ولذلك مدحه اللّه بكونه حصورا * وفي الأشباه ليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم إلى الآن ثم تلك العبادة لا تستمر في الجنة الا الايمان والنكاح * قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد وركعة من المتأهل أفضل من سبعين ركعة من عزب هذا كله لكون التزوج سببا لبقاء النسل وحفظا من الزنى والترغيب في النكاح يجرى إلى ما يجاوز المائة الأولى من الألف الثاني كما قال عليه السلام ( إذا اتى على أمتي مائة وثمانون سنة بعد الألف فقد حلت العزوبة والعزلة والترهب على رؤس الجبال ) وذلك لان الخلق في المائتين أهل الحرب والقتل فتربية جر وحينئذ خير من تربية ولد وان تلد المرأة حية خير من أن تلد الولد : كما قال السعدي زنان باردار اى مرد هشيار * اگر وقت ولادت مار زايند از ان بهتر بنزد يك خردمند * كه فرزندان نا هموار زايند وَكُلا مِنْها اى من ثمار الجنة وجه الخطاب إليهما إيذانا بتساويهما في مباشرة المأمور به فان حواء أسوة له في الاكل بخلاف السكنى فإنها تابعة له فيها ثم معنى الأمر بهذا والشغل به مع أنه اختصه واصطفاه وللخلافة أبداه انه مخلوق والذي يليق بالخلق هو السكون بالخلق والقيام باستجلاب الحظ رَغَداً اى أكلا واسعا رافها بلا تقدير وتقتير حَيْثُ شِئْتُما أي مكان من الجنة شئتما وسع الأمر عليهما إزاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر وَلا تَقْرَبا بالأكل ولو كان النهى عن الدنو لضمت الراء هذِهِ الشَّجَرَةَ الشجرة نصب على أنه بدل من اسم الإشارة أو نعت له بتأويلها بمشتق اى هذه الحاضرة من الشجر اى لا تأكلا منها وانما علق النهى بالقربان منها مبالغة في تحريم الاكل ووجوب الاجتناب عنه والمراد بها البر والسنبلة وهو الأشهر والأجمع والأنسب عند الصوفية لان النوع الإنساني ظهر في دور السنبلة وعليها من كل لون وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد وأشد بياضا من الثلج كل حبة من حنطتها مثل كلية البقرة وقد جعلها اللّه رزق أولاده في الدنيا ولذلك قيل تناول سنبلة فابتلى بحرث السنبلة أو المراد الكرم ولذلك حرمت علينا أو التين ولهذا ابتلاه الحق بلباس ورقها كما ابتلاه بثمرها وهو البلاء الحسن وقيل غير ذلك والأولى عدم تعيينها لعدم النص القاطع فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ مجزوم على أنه معطوف على تقربا أو منصوب على أنه جواب للنهي والمعنى على الأول لا يكن منكما قربان الشجرة وكونكما من الظالمين وعلى الثاني ان تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين وأياما كان فالقرب اى الاكل منها سبب لكونهما من الظالمين اى الذين ظلموا