صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

27

تفسير القرآن الكريم

قوله عزّ اسمه : [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 12 ] فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) اعلم إنّ هؤلاء الأصفياء وإن كانوا من جهة هويّاتهم العقليّة مقرّبين منه تعالى لأنّهم جالسون تحت قبة الجبروت لكنّهم من جهة نفوسهم الحيوانيّة المطيعة لأمر اللّه المسلمة لحكمه منسرحون في مراتع اللّذات متنعّمون بنعيم الجنان فإنّ لكلّ حقيقة درجات في الوجود ومراتب بعضها فوق بعض لا ينفكّ بعض مراتبه عن بعض ، فما من حقيقة كلّيّة هي مظهر اسم من أسماء اللّه إلّا ولها بعد مرتبة ذلك الاسم الإلهيّ عقل ونفس وطبيعة وجسم ، حتّى أنّ هذه الخلائق الكونيّة إنّما هي أصنام وأضلال لحقايق أخرى عقليّة روحانيّة وهذه الأرض إنّما هي صنم لأرض عقليّة روحانيّة وهذا الإنسان الحسّي إنّما هو صنم للإنسان العقلي ، والإنسان العقلي مظهر لاسم اللّه ونور من أنواره حاصل من أمره في عالم الغيب ، كما قال : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ 17 / 85 ] . ثمّ إذا ثبت أنّ لكلّ حق حقيقة ولكلّ محسوس معقولا فيحتمل أن يراد من الجنّات : الجنّات العقليّة . فإنّ الجنّة جنّتان : جنّة محسوسة بالحواسّ الاخرويّة . وجنّة معقولة مشاهدة ببصر الباطن العقلّي ولكلّ منهما درجات . كما أنّ العالم عالمان : غيب وشهادة ، ولكلّ منهما منازل فالإنسان السعيد بروحه الذي هو عقل بالفعل جنّة معنويّة بما يحمله من المعارف والعلوم ، ولنفسه الحيوانيّة جنّة صوريّة بما يحمله من اللذات والشهوات ويناله من طريق قواها العمليّة الحسيّة من أكل وشرب ونكاح وغيرها جزاء بما صبرت