صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

16

تفسير القرآن الكريم

غاية كمال النفس الإنسانيّة ، لأنّه عبارة عن نور من أنوار اللّه يقذف في قلب من يشاء من عباده ، وهذا النور يطفي نار جهنّم ، فكيف تتنّور به نفوس الكفّار والمنافقين ؟ وما ورد من الآيات في باب ايمانهم عند نزول العذاب فبعضها محمولة على ظهور الشقاوة عليهم يومئذ ، ومشاهدتهم آثار السيّئات ونتائج الكفر والعناد ، وتبعات المعاصي والفسوق وأضداد ما كانوا يحتسبون ، كما في قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ 39 / 47 ] وبعضها ممّا لا يفهم منه أزيد من اعترافهم باللسان ودعويهم الايمان ، كما في قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [ 40 / 84 ] وربّما كانوا كاذبين في هذه الدعوى يومئذ ، كما كذّبوا في قولهم للرسول صلّى اللّه عليه وآله - كما قال اللّه تعالى حكاية عنهم حيث قال - : قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ 63 / 1 ] . لا أنّهم يصيرون بعد الموت عرفاء باللّه وآياته موحّدين ، وإلّا فكيف يعذّبهم اللّه عذابا أبديّا ؟ إذ البراهين العقليّة والسمعيّة ناهضة على خروج أهل التوحيد عن النار ، فالقول بأنّ كلّ نفس يوم القيامة غير كاذبة في محلّ المنع . نعم منشأ الكذب والغلط ومبدأ الشر والوبال لا يكون إلّا في هذا العالم الذي هو منبع الشرور والعاهات ، ومعدن النقايص والآفات - كما بيّن في مقامه - والنفس الشقيّة الكذوبة لا تكتسب مادّة الكذب والبهتان والكفر والعصيان ومنشأ التعذيب بالنيران إلّا بواسطة كونها مدّة في هذا العالم ولأجل تعلّقها بالأبدان ، فهي حمالة حطب نيرانها من هاهنا ، والآخرة دار العدل والحساب والقضاء بمؤدّى الشهود والكتاب لا ظُلْمَ الْيَوْمَ .