صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
11
تفسير القرآن الكريم
فعلمت يقينا أن هذه الحقايق الايمانيّة لا تدرك إلّا بالتصفية للقلب عن الهوى ، والتهذيب عن أعراض الدنيا ، والعزلة عن صحبة الناس وخصوصا الأكياس ، والتدبّر في آيات اللّه وحديث رسوله وآله عليهم السلام ، والتسيّر بسيرة الصالحين ، في بقيّة من العمر القليل - وبين يديّ السير الطويل « 5 » - . فلمّا أحسست بعجزي وأيقنت أنّي لست على شيء ، وقد كنت قنعت عن ضوء النور بظلّ وفيء ، اشتعلت نفسي لكثرة الاضطرار اشتعالا قويّا ، والتهب قلبي لشدّة الانضجار التهابا نوريّا ، فتداركته العناية الأزلية بالرحموت ، ونظرت إليه العطوفة الربّانيّة بشيء من لوامع الملكوت ، فأفاض عليّ من بحر الجود شيئا من أسرار الوجود ، وأفادني مظهر الخفيّات ومنوّر المهيّات بعضا من أسرار الآيات وشواهد البيّنات . فاطّلعت على بعض أسرار التنزيل وحقائق التأويل . فشرعت خيرة من اللّه ورسوله في تفسير طائفة من السور والآيات ، وقرعت باب رفع الحجب وكشف النقاب عن وجوه البيّنات . فرأيتها بحمد اللّه كطبقات الجنان مفتّحة الأبواب ، فيها وجوه من الحور العين ، ينادون أصحاب الكشف واليقين : سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ففسّرت كثيرا من الآيات والسور الطوال والقصار ، كما قضى اللّه وأراد خالق القوى والأقدار ، وأنشأ وأفاد واهب العلوم والأنوار . فأردت الآن أن أكتب ما اجتمع لي وخطر ببالي من نكات التنزيل ومعارف التأويل ، المتعلّقة بهذه السورة ، التي هي بحر عميق في تحقيق علم المعاد ، وكنز من كنوز الآخرة ، يعرف بها عاقبة نفوس العباد . ولا يمكن غورها ، ولا يعرف قدرها إلا بإمداد علوي وتأييد إلهي . فشمّرت
--> ( 5 ) وبين أيدينا هذا السفر الطويل - نسخة .