صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
93
تفسير القرآن الكريم
بعد موتها إلى جسد ما يتكوّن في الرحم من المني ، يلزم عليه أن يكون شيء واحد بالقوة وبالفعل في مرتبة واحدة ، فتمنى الرجوع إلى أول الخلقة وحالة الترابية والهيولية للإنسان كما وقع للكفار على ما حكى اللّه عنهم بقوله : وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ 78 / 40 ] تمنى أمر مستحيل الحصول . وفي قوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [ 32 / 11 ] إشارة لطيفة إلى أن التوجه من هذه النشأة إلى نشئات أخرى أمر منوط بالأسباب القاصية الفاعلية والعلل الذاتية السابقة القضائية ، فيكون التوجه إلى عالم الموت والنشأة الثانية أمرا طبيعيا ، والحركات الطبيعية المنوطة بالأسباب العالية يستحيل عليها الرجوع كما في حركات الأفلاك . ورأيت في خطب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ما ترجمته هذا البيت الفارسي : سوى مرگ است خلق را آهنگ * دم زدن گام وروز وشب فرسنگ قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 13 ] وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) لما ظهر مما سبق ان رجعة النفوس إلى فطرتها الأصلية بعد اكتسابها طريقة الخذلان والشقاوة والحرمان أمر مستحيل وقعت هاهنا للأذهان الوهمانية مظنة شبهة هي انه لما ذا لم يخلق النفوس كلها من اللّه سعداء من أهل الهداية والرحمة ؟ حتى لا يكونوا مجرمين محرومين عن درجات الجنان والسعادة والرضوان ؟ فأزال تعالى هذا الوهم وأزاح إمكان وقوعه في الخارج ، لأن ما هو الواقع على أشرف الإمكانات وترجيح الأخس على الأشرف مستحيل الوقوع من الواهب الحق ، والمحال لا يكون مقدورا عليه ، لأنه لا شيء محض لا ماهية له ، وإنما هو