صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
80
تفسير القرآن الكريم
وقال تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [ 10 / 61 ] . فإذا تحقق هذا ظهر ان للجسد وجودا كما للنفس ، وللقالب تكوّنا كما للقلب ، ولكل منهما قبرا حقيقيا . فقبر الحياة الجسدانية النباتية والحيوانية هو مقدار تكوّنها التدريجي ومدة حركتها الاستكمالية في دار الدنيا التي هي مقبرة ما في علم اللّه من صور الأكوان الحادثة الموجودة سابقا ولاحقا في علمه تعالى : أما الوجود الأول فقبل الورود في مقابر الدنيا بموتها الجسماني وهو مفاد قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام « 1 » ، وأما الوجود الثاني فبعد مدة مكثها الدنياوي كما قال : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [ 3 / 109 ] . وأما قبر النفس والروح فإلى مأوى النفوس ومرجع الأرواح كل يرجع إلى أصله : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ 2 / 156 ] . فاللّه سبحانه أبدع بقدرته الكاملة دائرة العرش وحقيقته العقلية والنفسية ، وجعلها مأوى القلوب والأرواح ، وأنشأ بحكمته البالغة نقطة الفرش وجعلها مسكن القوالب والأجساد ، ثم أمر بمقتضى حكمته الأزلية وقضائه الحتمي الإجمالي وصوره الإسرافيلى لتلك الأرواح والقلوب العرشية أن تعلقت بالقوالب والأبدان الفرشية ، وأمر بقدرته التفصيلي الاستعدادي أن تقبل قابلية هذه القوالب بحسب إعداد المواد واستعداد هذه الأجساد شطرا من الأزمنة والأمداد قلوب العباد وأرواح أهل الحشر والمعاد وأصحاب الرجوع إلى اللّه الجواد . فإذا بلغ أجل اللّه الذي هو آت وقرب موعد الممات للملاقات والحياة ، رجعت الأرواح إلى رب الأرواح قائلين بلسان الحال والمقال : « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
--> ( 1 ) رواه في معاني الأخبار عن الصادق عليه السلام : باب معنى الأمانة التي عرضت . . . : 108 .