صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

78

تفسير القرآن الكريم

برهان مبين وبيان متين لإثبات الحشر الجسماني عند من له توغّل في القواعد الحكمية والقوانين العقلية . ومنها : انه يجب أن يكون متحققا عندك ان ملك الموت وأعوانه لا يعدمان ، بل يفرق بينك وبين ما هو غير صفاتك وأجزاء ذاتك ، لأن القواطع البرهانية والسواطع القرآنية والإشارات النبوية والكلمات الولوية قائمة على أن محل الايمان والمعرفة لا ينعدم ، كما ورد في الحديث : « إن الأرض لا تأكل محل الايمان » و ورد أيضا : « خلقتم للبقاء لا للفناء » « 1 » . فإذا تيقّنت هذا فاعلم إن للإنسان الكامل في أيّام كونه الدنياوي أربع حياتات : النباتية والحيوانية والنطقية والقدسية ، فالأوليان دنياويّتان والأخريان عقباويتان . مثال ذلك « الكلام » و « القول » فإن له حيوة تنفسية كالنبات ، وحيوة صوتية كالحيوان ، وحيوة معنوية كالنفس المفكرة ، وحيوة حكمية كالنفس القدسية ، فإذا خرج الكلام من جوف المتكلم ودنياه دخل إلى باطن السامع وأخراه ، فورد أولا في جوفه - أي في صدره - كما قبل : « صدور الأحرار قبور الأسرار » ثم إلى قلبه الذي هو آخر منزله ومأواه ، فإذا ارتحل من عالم التكلم إلى عالم السمع انقطع عنه الحياتان الأوليان - أي انقطع النفس وفنى الصوت . ولا يخلو حاله بعد هذا عن أحد أمرين ، لأنه إمّا أن يقع في روضة من رياض الجنة ، وذلك إذا كان الجوف الذي دخل فيه صدرا منشرحا بأنوار معرفة اللّه وإلهامات عالم ملكوته ، فيكون قرين ملائكة اللّه وعباده الصالحين الزائرين لهذا القبر ، وإما أن يقع في حفرة من حفر النيران ، وذلك إذا كان صدرا منشرحا بالشر

--> ( 1 ) راجع البحار : 6 / 249 . وجاء في علل الشرايع : باب علة الخلق واختلاف أحوالهم عن الصادق عليه السّلام : 11 .