صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
75
تفسير القرآن الكريم
من أصول الأشباح ، كجذب الثمار بالقوة النامية من أسافل الشجر إلى أعاليها ، وقريب منه ما روي عن ابن عباس رضى اللّه عنهما ، قال : جعلت الدنيا بين يدي ملك الموت مثل جام يأخذ منها ما شاء اللّه إذا قضى عليه الموت من غير عناء ، خطوته ما بين المشرق والمغرب . وقيل : ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه ، ثم يأمر أعوانه بقبضها . وعن قتادة : يتوفّاهم ملك الموت ومعه أعوان كثيرة من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . ووجه ذلك ان نزع الصورة الشريفة من مادة غير لائقة ، وقبض الروح من بدن إلى عالم آخر أعلى رتبة منه رحمة بالقياس إلى الصورة المنتقلة ، وعذاب بالقياس إلى المادة المنتقلة هي عنها ، فالملائكة النقّالة والقوى الفعالة موكلة من عند اللّه لا يصال الرحمة إلى مستحقيها ، والطبائع المنفعلة والقوى الحافظة لصورة المادة السفلية المفارقة عن الأرواح العالية ، هي من سدنة العالم الأدنى ، وهي المسماة بملائكة العذاب ، وإن كانت في فعلها رحمة ومصلحة بوجه آخر . فعلى هذا المراد بملك الموت الجنس ، كما ذهب إليه جمع ، ويدل عليه قوله : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [ 6 / 61 ] ونسبة القبض والتوفي إلى ملك الموت وأعوانه من قبيل نسبة الفعل إلى الآلة ، لئلا ينافي قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ 39 / 42 ] ويلائم ذلك قوله تعالى : « الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ » إذ التوكيل تفويض الأمر إلى غيره للقيام به ، وليس هاهنا تفويض محض ولا جبر محض ، بل أمر بين أمرين ، أي وكّل ملك الموت بقبض أرواحكم أجمعين أو واحدا واحدا حتى لا يبقى أحد منكم . ثم إلى ربكم ترجعون بجذبة « ارْجِعِي » وإن كان الواصل إلى حضرته هم النفوس المطمئنة فاختص هذا الخطاب بهم في قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [ 89 / 27 ] والباقون يحشرون إلى جزاء ربهم من الثواب والعقاب .