صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
53
تفسير القرآن الكريم
قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 6 إلى 7 ] ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ذلك المدبر عالم يكون علمه عين إيجاده للأشياء على أحكم وجه وأتقنه ، وإيجاده للأشياء على أبلغ النظام والإحكام عين علمه وتدبيره ، فيكون غيبه شهادة وشهادته غيبا وهو العزيز في غاية العظمة والكبرياء ، لبرائة ذاته عن وصمة الحدوث والإمكان وعن شوب الاشتراك والمماثلة مع الماهيات ، الرحيم الذي يصل نور فيضه وأثر جوده إلى كل عال وسافل ، وقاص ودان ، لكونه في العلو الأعلى من جهة الذات والوجود ، والدنو الأدنى من جهة الفيض والجود ، ولذا عقّبه بقوله : « أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » فإن ذاته لما كان في غاية الجلالة والعظمة ، وكان الموجودات كلها نتائج ذاته وأشعة أنوار صفاته ، فيكون في غاية ما يمكن من الحسن والجمال والكمال ، ولأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة الإلهية ، وأوجبته العناية الأزلية ، فيكون جميع المخلوقات حسنة في غاية الحسن المتصور في حقه ، وإن تفاوتت وانقسمت إلى حسن وأحسن إذا قيس بعضها إلى بعض ، كما قال سبحانه : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ 95 / 4 ] . أما الشرور والآفات التي يتراءى في نظر المحجوبين ، فهي ليست شرورا بالحقيقة ، لأن الشر الحقيقي عدم أو عدمي لا وجود له ، وأما الذي يؤدى إلى عدم ذات أو عدم كمال الذات مما يسمى باسم الشر مجازا فهو إنما خلق لأجل النفع في أشياء اخر ، لا يهملها خالق القضاء والقدر ، وما يعد شرا ؛ في تركه شرّ أكثر بكثير منه ، وهو أيضا لا يوجد إلا في جزء من وجه الأرض ، وهي حقيرة بالقياس إلى سماء الدنيا ، الخالية عن هذه الآفات مع حقارتها بالنسبة إلى جملة السماوات المقهورة ،