صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
42
تفسير القرآن الكريم
منهما صورة الصور في هذا العالم ومادة المواد في عالم الآخرة ، وكل منهما برزخ جامع بوجه وحد فاصل بوجه ، وخط واصل وصراط ممدود على متن جهنم ، وطريق مستقيم إلى اللّه تعالى ، وكل منهما بمنزلة سور ذو بابين ، باب داخلي إلى عالم الرحمة والرضوان ، لا يلج من يلج ملكوت السماوات إلا من هذا الباب ، وباب خارجي إلى عالم المقت والنيران ، لا ينزل ما ينزل إلى منازل الشياطين ومزابل الملاعين إلا من هذا الباب كما أشير إليه في قوله تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [ 57 / 13 ] واللّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 5 ] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 ) « الأمر » هو وجود الأشياء في أنفسها ، وتدبير الوجود المطلق من اللّه تعالى هو إفاضته بالفيض الايجادي المعبّر عند بعض العارفين بالنفس الرحماني ، فإن علمه تعالى بالأشياء عين موجوديته لها . وقوله : « مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ » إشارة إلى الموجودات الواقعة في سلسلة البدو والصادرة على سنّة الإبداع من غير مدخلية الحركات والاستعدادات ، إذ الوجود ابتدأ منه بأن أبدع أولا عقلا قدسيا مع ما يتلوه في الشرف من العقول القادسة ، وعالمها عالم القضاء وعالم القلم الأعلى ، ثم أبدع نفسا كليا متعلقا بالفلك مع سائر النفوس الفلكية التي دونها في الشرف ، وعالمها عالم القدر وعالم اللوح المحفوظ ، ثم الصور النوعية وقواها وكيفياتها ، ثم الصور الجرمية الامتدادية ، ثم الهيوليات الفلكية والعنصرية ، واحدة للعنصريات والتسع الباقية للفلكيات ، لأنها تسع جمل