صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

38

تفسير القرآن الكريم

بسط حكمة رحمانية إن استوائه تعالى على العرش بعد الفراغ من خلق الأنواع على نهج الإبداع تصرفه تعالى في العالم بواسطته وتدبيره الأمور بوسيلة تحريك السماء الموجب لحدوث الأشياء المتجددة ، وإنما خصّ العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام ( الأشياء - ن ) اللطيفة القابلة للفيض الرحماني . وعند بعضهم العرش فلك عظيم مشتمل على جميع الأجرام الفلكية والكوكبية يحيط به سطحان : أحدهما مقعّر مائل القمر ، والآخر ما هو منتهى الإشارة الحسية أي جهة الفوق الحقيقي ، وهو متحرك بالحركة اليومية السريعة الحافظة للزمان ، المحيطة بسائر الحركات المستديرة ، وبه يتجدد الأبعاد المكانية والزمانية ، والحوادث والاستعدادات وغيرها ، فما من حادث من الحوادث من الحركة والأجسام الكائنة والفاسدة إلا وللعرش مدخل في وجوده وعدمه ، كما أن القلب الإنسانى رئيس سائر الأعضاء ولا يسري قوة الحياة والحس والحركة الفائضة من النفس على البدن إلا بتوسط القلب فإنه أول ما يتحرك من أعضاء البدن ، وآخر ما يسكن منها ، فهو بحسب حقيقته وذاته محيط بالبدن . والنفس مستو عليه على مثال استواء الرحمان على العرش ، فإن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا يشبه استواء المخلوقين ، كالعلم وساير الصفات ، لا اشتراك بينه تعالى وبين الخلق إلا بحسب الاسم والحكاية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ 42 / 11 ] وهذه الآية توجب نفي المثل وإثبات المثال ، ولا مثال له تعالى ذاتا وصفاتا وأفعالا في الوجود إلا النفس الآدمية بحسب جمعيته الأحدية . ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك للحق تعالى لعرفت نفسك ، فعرفت ربك ، وذلك ان اللّه تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم ، استعمل روحك بخلافته ليتصرف في النطفة ، وهو بذر شجرة عالمك وبدنك ، كما