صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

325

تفسير القرآن الكريم

الرسل ونصب الأدلة والآيات ليس غرضا يعود إلى ذاته ، بل إنما هو مجرد عناية بالقياس إليهم وفيض رحمة عليهم على سبيل الرشح ، ونظم للأمور وترتيب للأسباب مؤدات إلى المسببات ، مترتبة عليها الغايات الجزئية ، ومصالح للعباد ، من غير التفات من جنابه العالي إلى السافل ، أخبر سبحانه إنه قد خلق الأنبياء وأرسلهم وذريّتهم إلى الخلق ، مع تأييده إياهم بجنود لم تروها من الملائكة ، وتنويره قلوبهم بالوحي والكتاب ، والحال انهم مع ذلك لم يقع الاهتداد بهم إلا من بعض الناس دون بعض ، وكثير منهم فاسقون . ولو كان له تعالى إرادة جزافيّة ، وأغراض جزئيّة ، ومقاصد سفليّة - كما يتصوره العامة - لم يتصور ذلك ، ولما كانت أولياء اللّه وأحباؤه ممتحنة بيد الأعادي ، مقهورة بقهر الكفرة الفجرة ، ممنوعة عن إرشاد الخلق معوقة عن هدايتهم مدة مديدة بسبب كيد المنافقين وإفساد الظلمة . ( 27 ) ثم أكّد هذا المعنى بالإخبار عن اتصال سلسلة الرسل والمصطفين الأخيار على ما هو مقتضى حكمة البالغة ، من عدم تخلية العالم عمن يوحّده ، ويمجّده ويعظّمه ، ويعرّفه ، ويصفه بصفات العظمة والجمال ، ويثنيه بنعوت الكبرياء والجلال من الأنبياء والأولياء والعرفاء ، ثم الأمثل فالأمثل إلى أن بلغت نوبة الإجادة والإفضال إلى الأدانى والأرذال ، من غير تعلّق قصد بوجود هذا القسم إلا على سبيل الاستجرار والاستتباع كما أن الصانع الحاذق والنجّار المحدق إذا تمت صنعته عن موضوع معيّن لها كالخشب مثلا للسرير أو الباب ، وبقي من الموضوع شيء ، لا يضيع حق قابليّة هذه الفضالة ، بل يصنع منه ما هو أدون منزلة من الأول وهكذا كالوتد والخلال إلى أن لا يبقى شيء من الموضوع الجسماني ، فهكذا الباري تعالى - وهو أشرف الصانعين - يقع من صنعة وجوده الأشرف فالأشرف إلى الأخسّ فالأخسّ ، حتى ينتهى إلى وجود الأشرار والفسقة والكفرة ، فكان الغرض المقدم في إيجاد المكوّنات ( الممكنات - ن ) خلقه أشراف نوع الإنسان ، فخلق من فضالته سائر الأكوان لئلا يفوت كل ذي حق حقّه ، ولا يضيع عن القابل مستحقّه ، كل ذلك