صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
315
تفسير القرآن الكريم
وتضرعا وابتهالا نحوه وتشفعا لديه لانجاح مقاصد الملهوفين ، واستغاثة عنده لإغاثة المحتاجين ، وإصلاح أحوال الهابطين إلى معدن الظلمات ، وإعلاء مرتبة النازلين في مهوى عالم الجهالات من أهل الاستعداد ، وإصعادهم عن رتبة السافلين إلى أوج العلّيّين بإلهامهم معرفة المبدإ والمعاد ، وتوسطا لجبر كسير وخلاص أسير ، فأريد التنبيه على أن هذه الوسائط مما لا مدخلية لها في الإيجاد والإعطاء ، بل هي مظهر الرحمة ومستوى الرحمن ، وهو الذي استوى على العرش لانتظام ما في الكون ، وتسبيب الأسباب ، وتهييج الأشواق ، وإنشاء الدواعي ، وتوسيط القوى الفعّالة ، ووضع القوابل المنفعلة ، كل ذلك على سبيل العناية بالسافلات ، وترشيح الخير الدائم على المنفعلات الكائنات بوساطة عالم الحركات العاليات ، الصادرات بأمره تعالى عن الملائكة المدبرات ، وعباده الساجدات الراكعات ، كما أشير إليهم بقوله تعالى : غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ 66 / 6 ] . ثم عاد إلى بيان علمه بالجزئيات بزيادة استيضاح على هذا الوجه المذكور من سبيل أخرى فأشار إلى أن من هو شأنه هكذا لا بد وأن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم الوالج في الأرض من أسباب قابلية الوجود للكائنات - كالبذور والنطف وغيرها من المقادير والكيفيات الاستعدادية - والخارج منها - كأجساد المواليد الثلاثة وأبدانها من الجماد والنبات والحيوان - والنازل من السماء - كقواها وصورها ونفوسها وما يتحصّل ويتقوّى به أعضائها وأحجامها كالأمطار والثلوج وغيرهما - والعارج فيها من العقول الصافية الإنسانية التي صارت طيورا سماوية طائرة إليها من أقفاص الأبدان بجناحي العلم والعمل ، بخلاف النفوس المتعلقة المقيدة بشهوات هذه العالم التي يكون أبدانهم بالقياس إلى نفوسهم البهيمة إسطبل الدوابّ لا أقفاص الطيور ، فليس لهم قوة الارتقاء إلى ملكوت السماء ، ولا لهم سبيل إلى عالم التقديس وعالم المعنى . ثم لما تقدم إنه سبحانه مما لا يتجدد عليه شيء بالغيبة والحضور ، والوجود والدثور ، ولا يفوته شيء من الأشياء ، بل الماضي والمستقبل بالنسبة إليه كالآن في