صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

3

تفسير القرآن الكريم

وكذا النحوي واللغوي والواعظ وراوي القصص والأخبار ، وإن كانوا في مراتب القصوى من فنونهم وصنائعهم ، كسيبويه أو من هو أنحى منه ، والحسن البصري أو من هو أوعظ منه ، وابن القرية « 1 » أو من هو أحفظ منه ، فإن لهم بموجب صنائعهم وعلومهم غايات غريبة دنية ، وهم متحدو الحقيقة بغاياتهم من حيث علومهم وصناعاتهم ، ولغاياتهم غايات أخرى هي غايات لأفاعيل غيرهم أم لأفاعيلهم ، لكن لا بما هم هم ، ولا بما هم ذوي تلك الأفاعيل المذكورة ، بل بما هم فاعلون لأفاعيل أخرى هي غاية أفاعيلهم التي ذكرناها أولا ، وهكذا إلى أن ينتهى إلى آخر الغايات ونهاية الموجودات ، على وجه عقلي مقدس عن التغيّر والزمان والحدثان . والبرهان قائم على أن مثل هذه الغاية يجب أن يكون هو أول الموجودات ، كيلا يكون ناقصا في وجوده ، مفتقرا إلى غاية يتم به وجوده ، وجميع الموجودات مرتبط بالخير الأعظم والجمال الأتم ، والكمال الأرفع مستهلك وجودها في وجوده القاهر ، ونورها في نوره الباهر . ومن هذا المقياس الذي ذكرناه يتفطن الذكي اللبيب ، بالتفاوت في الشرف والدنائة بين الصناعات والعلوم وان أي خلق وملكة يؤدي صاحبه إلى جوار اللّه وقربه ، ويحشر في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، وأي خلق وملكة يؤدى صاحبه إلى الهلاك الأبدي ، والشقاء السرمدي ، قائلا : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ، ويتفطن ان أجلّ الصناعات وأشرف الأعمال القلبية والأفعال الملكية تحصيل الصناعة المسماة عند طائفة بالحكمة والفلسفة التي هي التشبه بالإله الحق والتقرب به بقدر الطاقة البشرية ، وعند أصحاب الشريعة الحقة المحمدية - على الصادع بها وآله أفضل الصلاة واشرف التقديسات -

--> ( 1 ) هو أيوب بن قيس . والقرية أمه . . . وكان لسنا خطيبا ( المعارف : 404 ) .