صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
299
تفسير القرآن الكريم
و في حديث كميل بن زياد النخعي عن أمير المؤمنين عليه السّلام ما يدل على هذا المطلب ، وهو قوله - بعد كلام سابق - : « يا كميل مات خزّان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، آه آه إنّ هاهنا - وأشار بيده الشريفة إلى صدره المقدس - لعلما جمّا لو أصبت له حملة ، بلى أصيب له لقنا غير مأمون ، يستعمل آلة الدين في الدنيا ، ويستظهر بحجج اللّه على خلقه ، وبنعمه على عباده ، أو منقادا للحق لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض شبهة . ألا - لا ذا ولا ذاك ، أو منهوما باللذات سلس القيادة للشهوات ، أو مغرى بالجمع والادّخار ليسا من دعاة الدين في شيء ، أقرب شبها بهما الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه . اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجة ، ظاهرا مشهورا ، أو مستترا مغمورا لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته وأين أولئك ؟ أولئك واللّه الأقلّون عددا ، الأعظمون خطرا ، بهم يحفظ اللّه حجته وبيّناته حتى يودعوها نظرائهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقائق الأمور ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء اللّه في أرضه والدعاة إلى دينه ، آه آه شوقا إلى رؤيتهم . - انتهى الحديث - « 1 » . وفيه إشعار بأمور : الأول : إن العالم الحقيقي له الولاية على الدين والرئاسة فيه . والثاني : إن سلسلة العرفان باللّه والولاية المطلقة لا تنقطع أبدا .
--> ( 1 ) كمال الدين : باب ما أخبر به علي عليه السّلام من وقوع الغيبة : 290 نهج البلاغة : باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام : رقم 147 .