صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
297
تفسير القرآن الكريم
التثليث ، والقول بالإلحاد ، وقصد السمعة والرياء والكفر بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ونحو هذه الأشياء ، كما إن المنسوبين إلى التصوف في هذه الأزمنة والدورة الإسلامية بعضهم مما رعوا حقّه - من تصفية الباطن ، والتزهد في الدنيا ، والانقطاع عن أهلها وذويها طلبا لمرضات اللّه - وأكثرهم لم يراعوا حقّه ، بل ضموا إليه السمعة والرياء ، والتغنّي والسماع ، والاشتغال بالملاهي وصحبة الأباطيل ، والمعطّلين عن الفكر والسير في الملكوت وعن ذكر اللّه إلا بمجرد اللسان عند مجمع الخلائق . فآتينا المؤمنين المراعين منهم لها أجرهم وكثير منهم فاسقون - وهم الدين لم يراعوها ولم يوفوا بها . قال الزجاج : إن تقدير « ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ » : ما كتبنا إلا ابتغاء رضوان اللّه وهو اتباع ما أمر به - فهذا وجه - . قال : وفيها وجه آخر في التفسير وهو إنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه ، فاتخذوا أسرابا وصوامع وابتدعوا ذلك ، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع ودخلوا عليه لزمهم تمامه ، كما إن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمّ . قال : وقوله : « فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها » على ضربين : أحدهما أن يكونوا قصّروا فيما ألزموه أنفسهم ، والآخر - وهو الأجود - أن يكونوا حين بعث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فلم يؤمنوا به ، وكانوا تاركين لطاعة اللّه ، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها ، ودليل ذلك قوله : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني الذين آمنوا بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي كافرون - انتهى كلام الزجاج - . ويؤيّده ما روي عن ابن مسعود قال : دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : يا بن مسعود - اختلف من كان قبلكم عن اثنتين وسبعين فرقة ، نجا منها اثنتان وهلك سايرهنّ ، فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسى عليه السّلام فقتلوهم ، وفرقة لم يكن لهم طاقة لموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين اللّه تعالى ودين عيسى عليه السّلام فساحوا في البلاد وترهّبوا وهم الذين قال اللّه لهم : « ورهبانية ابتدعوها