صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
296
تفسير القرآن الكريم
الإسلام » و قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « رهبانية أمتي الحج والجهاد » . وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر ، أي : وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، ويجوز أن يكون معطوفة على ما قبلها ، والجملة بعدها صفة لها في محل النصب ، والمعنى : ثم أتبعنا بالإرسال على آثار المذكورين كنوح وإبراهيم ومن أرسلنا إليهم أو من عاصرهم من الرسل برسل آخرين ، أي : أتبعنا رسولا بعد رسول وقفّينا سابقا بلاحق انتهى الأمر إلى عيسى بن مريم بعدهم ، فأرسلناه رسولا وأعطيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه من الحواريين وأتباعهم للتراحم والتعاطف بينهم رأفة ورحمة ، بأن أمرهم اللّه بهما ورغبّهم فيهما ، أو خلق في قلوبهم الرأفة والرحمة وإنما مدحهم على ذلك وإن كان من فعله لأنهم تعرّضوا لهما وابتدعوا رهبانية لم يكتبها عليهم ، وهي خصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة ، إما في كنيسة ( شعشعة - شعثة - ن ) ، أو توحش عن الخلق ، أو تفرد عن الجماعة ، أو غير ذلك من الأمور التي تعلق بنسك صاحبه . وقيل : إن التي ابتدعوها من رفض النساء واتخاذ الصوامع - عن قتادة - وعلى تقدير عطفها على ما قبلها يكون المعنى : وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم . بمعنى : وفّقناهم للتراحم بينهم ، ولابتداع الرهبانية المبتدعة الغير المكتوبة عليهم منّا - إلا ابتغاء رضوان اللّه - أي ليبتغوا بها رضوان اللّه ويستحقوا بها الثواب ، والاستثناء منقطع ، أي ما فرضناها عليهم ولكنهم ابتدعوها طلبا لمرضات اللّه ، ويحتمل الاتصال بتضمين : « ما تعبّدناهم بها » حتى يكون مشتملا على نفي الإيجاب والندب المستلزمين لمطلق الراجحية والتقرب ، وهذا وإن كان مخالفا لقوله : « ابتدعوها » لكن يوجه بأن يقال : معناه ولكنهم ابتدعوها ثم ندبوا إليها . وابتدعوها : بمعنى : استحدثوها من قبل أنفسهم ووافو بها ، فما رعوها حق رعايتها ، أي : الذين بعدهم ما رعوا جميعا للرهبانية ، أو للمذكورات من الرأفة ، والرحمة ، والرهبانية - حق رعايتها ، ولكن بعضهم رعاها ، وبعضهم ضمّ إليها