صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

288

تفسير القرآن الكريم

وقوله : أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ - إشارة إلى الملك النازل على قلوب الأنبياء بالوحي ، وحكم الأنبياء عند اتصالهم بعالم الغيب ومشاهدتهم الملائكة هو بعينه حكم الملائكة في منزلتهم ومرتبتهم في الوجود ، وإن صدق عليهم حين نزولهم من عالم تقدسهم إلى درجة أفهام الخلق قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ 41 / 6 ] . ثم إن الإرسال والإنزال أمران نسبيّان يدلان على المنزل والمهبط بالالتزام ، ومهبط نزول الرسل ( الوحي - ن ) والملائكة عالم الأجسام ، والهبوط لا بد فيه من المرور على المراتب المتوسطة بين عالم القدس وعالم الجرم الأرضي الذي هو أسفل السافلين ، فقد وقعت الإشارة إلى المراتب الكلية لسلسلة النزول . وأما الإشارة إلى سلسلة الصعود : فلفظ الميزان مما يحتمل أن يكون إشارة إلى التعادل في العناصر الذي يقال له المزاج ، المشار إليه بقوله : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ [ 55 / 7 ] وهو الذي به يتهيّأ المواد العنصرية لأن تحصل منه المواليد الثلاثة ، فإن المانع عن قبول الحياة والشرف من اللّه تعالى في الأجسام السفلية هي التضاد ، وإلا فالجود مبذول والرحمة واسعة ، أو لا ترى أن الأجرام العلوية لخلوها عن التضاد في الكيفيات حيّة مطيعة للّه تعالى في أوامره ونواهيه ، لا كارهة كالأرضيات كما وقعت الإشارة في قوله تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ 41 / 11 ] وقوله : وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ 41 / 12 ] . فكلما أو غلت العناصر عند الامتزاج في الاعتدال والتوسط بين أطراف الأضداد الذي هو بمنزلة الخلو عنها يستعد لإفاضة كمال أشرف وحيوة أرفع . فأول ما يحصل لها من التوسط والاعتدال هو ما يحصل منه المعادن على مراتبة ثم النبات كذلك ، ثم الحيوان على أنواعه ، ثم الإنسان على طبقاته في الشرف والبراءة من الأضداد ، وقد تقرر في العلوم الإلهية : إن الطبيعة ما لم تستوف النوع الأخسّ لم تتخط إلى النوع الأشرف ، فقوله : لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ إشارة