صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
286
تفسير القرآن الكريم
لجميع الفضائل الخلقية ، كما أن الحسن الظاهري فضيلة جسمانية متضمّنة لكمال سائر الفضائل الخلقية ، وتناسب جميع الهيئات البدنية ، والتخاليط والتشكيلات الجسمانية ، ويعبر عنها بالميزان لاشتراكها معه فيما يعرف به مقدار الشيء ، إذ يعبر ( يعرف - ن ) بها فقد الأخلاق - التي بها زينة جوهر الذات الإنسية عن زيفها واستقامة الأعمال عن ميلها وحيفها ، وخلاصها عن غشّها . والموازين لا يجب أن يتساوى الجميع في الذات والماهية ، بل في كونها ميزانا ، وإنها مما يعرف به حال الشيء كمية أو كيفية ، فإن الأسطرلاب ميزان والمسطرة ميزان ، والعروض ميزان ، والنحو ميزان ، والمنطق ميزان ، لاشتراك جميعها فيما به يسمى الميزان ميزانا ، وإن اختلفت في الماهية ، لكن هذا الميزان الذي كلامنا فيه هو بعينه ما سيعود يوم القيامة بصورته المناسبة للنشأة الآخرة ، فيعرف به كل واحد من الناس مقدار عمله بمعيار صادق ، ثم يحاسبون على أقوالهم وأفعالهم وضمائرهم ونيّاتهم مما أبدوه أو أخفوه ، ثم يساقون إلى الصراط - وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء والسعداء أحد من السيف وأدقّ من الشعر ، يخفّ عليه من استوى في الدنيا على الصراط المستقيم الذي هو صورة العدالة ومثاله في الآخرة . وقد أشرنا إلى أن فضيلة العدالة ليست فضيلة حقيقية للإنسان وخيرا حقيقيا بل هي طريق مستقيم يؤدي إلى الكمال والخير الحقيقيين ، فلا بد من جوازها حتى تصل النفس إلى كعبة المقصود ، ويتنعّم بالنعيم ومجاورة المعبود . فهذا ما أردنا من بيان معنى الميزان الذي يقوم به الناس بالقسط . الفائدة الثالثة الإشارة إلى ترتيب سلسلة الموجودات وتقدم بعضها على بعض وتأخر بعضها عن بعض بحسب الشرف والكمال والحاجة والافتقار في النزول منه والصعود إليه : وبيان ذلك بأن أوائل الموجودات الصادرة عنه تعالى التي صدرت بمحض