صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
271
تفسير القرآن الكريم
مكاشفة إن في قوله : « هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » من التهديد ما لا يخفى ، للإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة يعود إلى المنفق ، فإذا فات عنه ما هو المصلح لذاته ، المذكى له عن ذمائم الأخلاق - كالبخل وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة - كانت عاقبة السوء . وليس في بخل العبد وإمساكه ضرر على اللّه تعالى ، بل الأمر بالإنفاق والتأكيد فيه إنما وقع من اللّه تعالى لغاية رحمته على عباده ، حيث هداهم طريق التخلّص عن عذاب الأخلاق الذميمة في الدنيا والآخرة مع كونه غنيا عن العالمين ، فكيف عن العبد وإنفاقه . وقد بالغ في الحث على الإنفاق حتى طلب الصدقات عنهم بقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ 2 / 245 ] وقال : وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [ 9 / 104 ] . وقد سلك طائفة من المخذولين طريق الإباحة وقالوا : إن اللّه غنى عن إنفاقنا ، وغنيّ عن أن يستقرض منا ، فأيّ معنى لقوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ؟ ولو شاء إطعام المساكين لأطعمهم ، فلا حاجة لنا إلى صرف أموالنا إليهم . كما قال اللّه تعالى حكاية عن الكفار بقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [ 36 / 47 ] وقال تعالى إخبارا عنهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [ 6 / 148 ] . فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم وكيف هلكوا بصدقهم . فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق ، وإذا شاء أصعد بالجهل . كه آدم را ز ظلمت صد مدد شد * ز نور إبليس ملعون أبد شد ربّ تال القرآن والقرآن يلعنه . رب رجل فقيه متعبد يكون فقهه وتعبده سببا