صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

270

تفسير القرآن الكريم

وفيما ذكرناه كفاية لمن تيسّر له ، ولا ينجع أكثر منه لمن تعسر عليه ، فليرجع من أراد الوقوف والاطلاع إليه - وباللّه العياذ من التقصير ، وبه يتيسر كل عسير . قوله عز وجل : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 24 ] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) قرء نافع وابن عامر : « إن اللّه الغني » وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك ، والباقون بإثبات « هو » لوجوده في مصاحفهم . والضمير ينبغي أن يكون فصلا ، لا مبتدأ ، لأن حذف الفصل أسهل - إذ لا موضع له من الإعراب - بخلاف المبتدأ ، ألا ترى إنه قد يحذف فلا يخل بالمعنى . وقرء : « بالبخل » . وقوله : « الَّذِينَ » بدل من قوله : « كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ » كأنه قال : لا يحب الذين يبخلون . وفيه دلالة على أن ذا الفرح المغطي متكبر بما اوتى ، فخور على الناس . وإذا رزق هو وأشباهه مالا وحظا من الدنيا فلابتهاجهم به والتذاذهم منه وعزته لديهم ، وعظمته في أعينهم - لأجل قصور عقلهم ونقص فطرتهم وخلل جوهرهم - يزوونه عن حقوق اللّه ويبخلون به ، ولا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل ويحملونهم عليه ، ويرغبونهم بالإمساك ويزيّنونه لهم ، وذلك كله من نتائج فرحهم به وبطرهم عند إصابته ، والفرح بالمحقرات الدنيّة الدنياويّة من لوازم قصور الذات وخسّة الجوهر وقلة العقل ، حيث لم يتنبّه بدثورها وفنائها ، ولما كان الابتهاج بمتاع الحياة الدنيا والبخل عن أداء الحقوق الواجبة وغير ذلك من ذمائم الأخلاق ناشية عن التوجه إلى الجنبة السافلة المستلزم للإعراض عن الحق والتولي عن قبول أوامره - كالإنفاق - ونواهيه - كالبخل - أشار إلى أنه غنيّ عن العباد وإنفاقهم ، محمود في ذاته ، لا يقدح في كمال ذاته ووجوب وجوده الإعراض عن شكره .