صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

266

تفسير القرآن الكريم

والنقص ؟ ولا نتعادل في الخيرات والشرور ؟ ولم لا نتشاكل في الطاعات والمعاصي ولا نتماثل ؟ وكيف نحترز عما يجب الاحتراز عنها فننجو من وبالها وتبعاتها ؟ وبأي شيء يتفضل السعيد على الشقي وقد تساويا فيما قدّر لهما ؟ وأين عدل اللّه فينا وقد قال تعالى : وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ 50 / 29 ] وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ 16 / 118 ] ؟ فنجيبك يا أخا الجدل بمثل ما قال الشاعر : هو ن على بصرى ما شقّ منظره * فإنما يقظات العين أحلام فاصبر واستمع ما يشفيك من غيظك ويكفيك في إزالة ريبك ، واعلم أن الأعيان والماهيات متنوعة ، والصفات والاستعدادات متفنّنة ، والأرواح الإنسية بحسب الفطرة الأولى مختلفة في الصفاء والكدورة ، والضعف والقوة ، مرتبة في درجات القرب والعبد من اللّه ، والمواد السفلية بإزائها بحسب الخلقة متباعدة في اللطافة والكثافة ، ومزاجاتها متبائنة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي ، فقابليتها لما يتعلق بها من الأرواح متفاوتة ، وقد قدر بإزاء كل روح ما يناسبه من المواد بحسب الفيض الأقدس ، فحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والأخلاق والصفات والكمالات موافق لبعض الأعمال والصناعات دون بعض على ما قدّر لها في العناية الأولى والقضاء السابق كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة » . « 1 » وتتفاوت العقول والإدراكات والأشواق والإرادات بحسب اختلاف الطبائع والغرائز فيسرع بعضهم بطبعه إلى ما ينفرّ عنه الآخر ، ويستحسن أحدهم بهواه ما يستقبحه الثاني ، والعناية الإلهية تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن ويتصور . على أن الموجودات مظاهر لصفاته العليا ، ومجالي لأسمائه الحسنى ، وهي متخالفة في المفهوم ، متباعدة في المعنى مع أحدية ذاته الحقة وبساطة حقيقته المقدسة ، فكل واحد من الممكنات مبدأه ومعاده إلى اسم من الأسماء الإلهية ، محكوم بحكمه ،

--> ( 1 ) المسند : من حديث أبي هريرة : 2 / 539 .