صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

261

تفسير القرآن الكريم

فتأمل جريان الأمر والنهي في مجاري القضاء والقدر ، وتفكّر في سلسلة الأسباب والعلل ، وتدبّر في مباني الأمور حق التدبر ومعاني الآيات بقوة التفكر - إن كنت من أهله وخلقت لأجله - عسى اللّه أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا ، وينكشف لك ما ينكشف لأهل اليقين والراسخين في العلم ، وتتخلص عن الشرك الخفي ، فبادر عند التفطن بما يتفطن به العرفاء الكاملون إلى الاعتذار والتوبة والاستغفار . واعلم أن القضاء والقدر إنما يوجبان ما يوجبان بتوسط أسباب وعلل مترتبة منتظمة ، بعضها فاعلات مقتضيات كالمبادي العالية من الجواهر العقلية ، وبعضها مدبرات ومعدات كالنفوس السماوية والحركات والأوضاع الفلكية والصور واللواحق والأمور الجارية مجرى الأشياء الاتفاقية - التي هي لزومية من وجه - وغيرها من الإدراكات والإرادات الإنسانية والحركات والسكنات الحيوانية ، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتية أو عارضية إياها تختصّ بسببها بحال دون حال وصورة دون صورة - ترتيبا وانتظاما متقنا معلوما في القضاء السابق - فاجتماع تلك الأمور من الأسباب والشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عند وجودها ذلك الأمر المدبّر والمقضىّ المقدّر ، وعند تخلف واحد منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيّز الامتناع . ومع قطع النظر عن وجود جميع الأسباب وعدمه بقي في حيّز الإمكان . فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصا القريبة منها - وجود هذا الشخص المكلّف الإنساني وإدراكه وعلمه وإرادته وقبوله التكليف بتفكره وتخيّله الذين يختار بهما أحد طرفي الفعل والترك ، كان ذلك الفعل اختياريا واجبا 161 وقوعه بجميع تلك الأمور المسمّاة علة تامة ممكنا بالنسبة إلى بعض منها ، فوجوبه لا ينافي إمكانه ، ومجبوريته لا ينافي كونه بالاختيار ، كيف وإنه ما وجب إلا بعد كونه ممكنا وما جبر عليه إلا بعد كونه مختارا . 162 فمن نظر إلى بعض الأسباب قاصرا نظره إلى القريبة منها ، ورآها مؤثرة