صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

257

تفسير القرآن الكريم

قوله عز وجل : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 23 ] لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) وقرء أبو عمرو : « بما اتيكم » - بالقصر - ويكون الفاعل الضمير الراجع إلى الموصول . والآخرون بالمد ليكون هو الضمير العائد إلى اسم اللّه ، و « الهاء » محذوفة من الصلة ، تقديره : بما آتاكموه . لما ذكر سبحانه إن جميع ما أوجده اللّه تعالى مثبت في كتاب سابق ، أراد أن يعلل ذلك ويبين حكمته فيه ، فقال : لكيلا تأسوا ولا تفرحوا . أي : فعلنا ذلك لئلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا ، ولا تفرحوا بما أعطاكم اللّه منها ، والذي يوجب نفي الأسى والفرح إن الإنسان إذا علم أن كلما حكم عليه في القضاء السابق الأزلي ليس إلا من مقتضيات ذوات الأشياء التي لا يمكن التفصي عنها ، يحصل لها الاطمئنان الكلي والراحة الكلية على أن كل كمال يقتضيه حقيقته وكل رزق صوري أو معنوي يطلبه عينه لا بد أن يصل إليه . كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن روح القدس ينفث في روعي : إن نفسا لن تموت حتى يستكمل رزقها . ألا فأجملوا في الطلب » 158 159 « 1 » . فيستريح عن تعب الطلب ، وإن طلب أجمل ولا يخاف من الفوات ولا ينتظر ، لعلمه بأن اللّه سبحانه في كل حين يعطيه من خزائنه ما يناسب وقته واستعداده ، فهو واجد دائما من مقصوده شيئا فشيئا ، وما لا يقدر له لا يراه من الغير ، فلا يبقى له حزن

--> ( 1 ) جاء ما يقرب منه في سنن ابن ماجة : كتاب التجارات ، باب الاقتصاد في طلب المعيشة : 2 / 725 .