صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

253

تفسير القرآن الكريم

وليست فيها جهة نقص يكون بإزائها قصور في معلولاتها القريبة الجسمانية 152 فعبر عن تلك الجهة بعدم علمها بعصيان العصاة لأن علومها فعلية - فتدبر . وبالجملة الجميع أنوار محضة عقلية ، إلا انها بعضهم المهيّمون - وهم الأعلون - وبعضهم الأدنين في الصفّ الأخير ، وهم أنوار قاهرة فيما تحتها من النفوس والأجرام بتأثير اللّه تعالى ، وقاهريتها صورة صفة قاهرية اللّه تعالى وجباريته ، كما أن نوريتها من سبحات وجهه وجماله تعالى ، وبهذه الاعتبار يسمى « الملائكة المقربين » وعالمها عالم القدرة ، وعالم الجبروت ، إذ يفيض فيها صور الأشياء وحقائقها بإفاضة الحق سبحانه وكذا يفيض عنها صفاتها وكمالاتها التي بها يجبر نقصاناتها ، فعلم أن جميع الحقائق بأعيانها وكمالاتها منتقشة فيها ، وبهذا الاعتبار يسمى « عقولا » . وذلك الانتقاش هو صورة القضاء الإلهي ، فالقضاء عبارة عن ثبوت صور جميع الأشياء في العالم العقلي على الوجه الكلي ، ومحله عالم الجبروت لتقدسه تعالى عن شوب الكثرة ، وهو المسمى « بأم الكتاب » 153 الذي أشار إليه قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ 13 / 39 ] . وكل ما يفيض علينا من العلوم الحقة موسومة بالعلوم اللدنية يفيض عنه كما قال تعالى : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [ 96 / 3 - 4 ] وتلك الجواهر خزائن غيبه كما قال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ 15 / 21 ] . وكما أن العالم الروحاني بجوهره المجرد محل القضاء ، فالعالم النفساني بجرمه السماوي محل القدر ، إذ الصور العقلية الكلية في عالم القضاء في غاية الصفاء والوحدة لا يتراءى ولا يتمثل لغيرها لشدة نوريتها كمرآة مضيئة ترد البصر عن إدراك ما فيها من الصور بشعاعها ، فينتسخ تلك الصور منه في النفس الناطقة 154 الكلية التي هي قلب العالم ، كما ينتسخ بالقلم في اللوح 155 صورا معلومة مضبوطة منوطة بعللها