صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
248
تفسير القرآن الكريم
عنه هناك - كما يتخلف عنها هاهنا - فلا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب الاتفاقية ، بل الملك للّه الواحد القهار كما في قوله : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ 34 / 23 ] أي لا تأثير هناك للعلل الاتفاقية ، بل للذاتية ؟ ؟ ؟ . وكذا في قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ 2 / 255 ] وقوله : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ 74 / 48 ] أي العلل الاتفاقية . دون المأذونين في الشفاعة كالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لأجل حصول الاستعداد والمناسبة الحاصلة من دعوته لامته التي كانت خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وهذا القدر من المعرفة أقلّ ما يكفي المستبصر لأن يؤمن بجميع ما وعده اللّه ورسوله أو توعّدا عليه بلسان الشرع من الصور الأخروية المترتبة على الاعتقادات والأخلاق المستتبعة للذّات والآلام إن لم يكن من أهل المكاشفة الباطنية والمشاهدة الأخروية . وأما معرفة التفاصيل في نتيجة كل صفة وعمل وعد فيه أو توعّد عليه الشرع الأنور بحكومة أخروية فيتوقف على كشف تام ومعرفة كاملة واتصال قوي بعالم الغيب ، وتجرد بالغ عن علائق هذا العالم ، فكل من له تحدث في العلوم يجب عليه أن يتأمل في الصفات النفسانية والأخلاق الباطنية ، وكيفية منشأيّتها للآثار والأفعال الظاهرة منها ، ليجعل ذلك ذريعة لأن يفهم كيفية استتباع الأخلاق المكتسبة في الدنيا من تكرر الأفاعيل للآثار المخصوصة في الآخرة ، تحقيقا لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الدنيا مزرعة الآخرة » . فكما إن شدة الغضب والغيظ في رجل غضبان توجب ثوران دمه ، واحمرار وجهه ، وحرارة جسده ، واحتراق مواده الرطبة - التي أرطب من الحطب اليابس - على أن الغضب صفة نفسانية موجودة في عالم الروح الإنسانى وملكوته ، والحركة والحمرة والحرارة والاحتراق من صفات الأجسام ، وقد صارت هذه الصفة الواحدة النفسانية مصورة بهذه الهيئات والعوارض الجسمانية في هذا العالم ، فلا عجب من