صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
226
تفسير القرآن الكريم
فالمدرك للملائم والمنافي إذا كان في غاية القوة والحدّة فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ 50 / 22 ] - والمدرك منهما إذا كان كنه حقيقة الشيء ولبّه وباطنه وسريرته يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ 86 / 9 ] والإدراك أيضا في غاية التحقيق واليقين حيث ينتهى إلى مشاهدة العين كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [ 102 / 8 ] - يكون الإلذاذ والإيلام في غاية القوة والشدة ، وهذا هو البيان في كون أمور الآخرة في بابها عظيما شديدا . مكاشفة النكتة في أن فعل الحسنة يكون أجره مضاعفا وفعل السيئة يكون أجره مثله - كما في قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ 6 / 160 ] - وجهان : أحدهما من جهة القابل ، والآخر من جهة الفاعل . أما الوجه الأول : فهو إن حقيقة النفس الإنسانية من عالم الأمر وعالم الآخرة وسنخ الروحانيات النوريّة ، فوقعت في هذا العالم الجسماني الظلماني لجناية صدرت من أبيه آدم الأول ، وهبطت من الجنة إلى الأرض غريبا وحيدا أسيرا في أيدي الظلمات ، ملسوعا بلسع حيّات الشهوات وموذيات اللذات ، مسحورا بسحر الطبيعة ووساوس الشياطين ، كما في قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ 95 / 5 ] . ثم إن كل عمل وفعل صدر من الإنسان في هذا العالم يحصل منه أثر في قلبه لارتباط شديد بين النفس والبدن ، فيحصل من تكرّر الأفاعيل في النفس أخلاق وملكات هي مواريث المعاملات ، فإذا تكررت الأفاعيل الحسنة - من الصيام ، والقيام ، والإطعام ، والصدقات بحسن النيات وصدق الطويّات 116 - ظهرت من دوام