صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
217
تفسير القرآن الكريم
بقوله : أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ [ 3 / 77 ] . ومن علامات علماء الآخرة وأولياء اللّه ومجامع نعوتهم إنهم منبعثون من موت الجهالة منتبهين من رقدة الغفلة ، عارفين بحقائق الأشياء مشاهدين حساب يوم الدين ، قوم تستوي عندهم الأماكن والأزمان وتغاير الأمور وتصاريف الأحوال ، فقد صارت الأيام كلها [ عندهم ] عيدا واحدا ، وجمعة واحدة ، وصارت الأماكن كلها مسجدا واحدا ، والجهات كلها محرابا واحدا 106 - وذلك لخروجهم بعقولهم الصافية وأذهانهم العالية عن مطمورة عالم الزمان والمكان - وتوجهت قلوبهم شطر الحق وتولّت ذواتهم وجه اللّه ، فصارت حركاتهم كلها عبادة للّه وسكناتهم كلها طاعة له ، واستوى عندهم مدح المادحين وذم الذامّين ، لا يأخذهم في اللّه لومة لائم ، قياما للّه بالقسط ، شهداء للّه بالحق وهم على صلواتهم دائمون تحققوا بقوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ 2 / 115 ] لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [ 57 / 23 ] . وصار دعاؤهم مستجابا لأنهم لا يسئلون إلا ما يكون ، ولا يكون إلا ما قد كان في سابق العلم ، فقلوبهم في راحة من التعلق بالأسباب ، وأرواحهم فارغة من التكلف بما لا يعني ، ونفوسهم ساكنة عن الوسواس ، وأبدانهم في راحة من أنفسهم ، والناس منهم في راحة وأمان ، لا يريدون لأحد سوء ولا يضمرون لأحد شرا - عدوا كان أو صديقا - وذلك لعلمهم بحقارة الدنيا وخسّة شركائها ودثور أهلها ، وارتفاعهم عن الالتفات إلى هذا المنزل الأدنى . كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « واللّه لدنياكم عندي أهون من عراق خنزير في يد مجذوم » . « 1 »
--> ( 1 ) نهج البلاغة : الحكمة رقم 236 .