صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
215
تفسير القرآن الكريم
فصار مستغرقا لمشاهدة نور الجلال والكبرياء فلا يتفرغ لتعلّم علم الأحكام إلا ما لا بد منه . وعالم بأمر اللّه غير عالم باللّه ، وهو الذي يعرف الحلال والحرام ودقائق الأحكام ، لكنه لا يعرف أسرار جلال اللّه . وعالم باللّه وبأمر اللّه ، فهو جالس على الحدّ المشترك 103 بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات ، فهو تارة مع اللّه بالحبّ له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف اللّه ، وإذا خلا بربه ، مشتغلا بذكره وخدمته ، فكأنه لا يعرف الخلق . فهذا سبيل المرسلين والصديقين ، وهو المراد بقوله عليه السّلام : سائل العلماء ، وخالط الحكماء ، وجالس الكبراء . والمراد بقوله : « سائل العلماء » العلماء بأمر اللّه غير العالمين باللّه فأمر بمسائلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء وأما الحكماء فهم العالمون باللّه الذين لا يعلمون أوامر اللّه ، فأمر بمخالطتهم . وأما الكبراء فهم العالمون بهما ، فأمر بمجالستهم ، لأن في مجالستهم خير الدنيا والآخرة . ثم قال : ولكل واحد من الثلاثة ثلاث علامات : فللعالم بأمر اللّه : الذكر باللسان دون القلب ، والخوف من الخلق دون الربّ والاستحياء من الناس في الظاهر ولا يستحي من اللّه في السرّ . والعالم باللّه : ذاكر ، خائف ، مستحي . أما الذكر : فذكر القلب لا اللسان ، والخوف : خوف الرجاء 104 لا خوف المعصية 105 ، والحياء : حياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر . وأما العالم باللّه وأمره له ستّة أشياء : الثلاثة المذكورة للعالم باللّه فقط مع ثلاثة أخرى : كونه جالسا على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلما للمسلمين ، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو مستغن عنهما فمثل العالم باللّه وبأمر اللّه كمثل الشمس لا تزيد ولا تنقص ، ومثل العالم باللّه فقط كمثل