صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
202
تفسير القرآن الكريم
مكاشفة اعلم إن الدرجات الأخروية ودركاتها يتوزّع على الحسنات والسيّئات فإن مبادي أحوال الآخرة أحوال الدنيا ، لأن الدنيا عبارة عن حالتك قبل الموت والآخرة عبارة عن حالتك بعد الموت وقدومك إلى اللّه ، فدنياك وآخرتك صفاتك وأحوالك ، يسمى الداني منها « دنيا » والمتأخّر « آخرة » وهما من جنس المضاف يعرف مفهوم كل منهما مع الآخر ، والانتقال من الأولى إلى الأخرى كالانتقال من المحسوس إلى المعلوم ، ولهذا المعنى قيل : « من فقد حسّا فقد علما » . فالآخرة نشأة علميّة وكما أن في هذا اليوم المعلوم غائب ، والمحسوس حاضر 97 ، ففي يوم الآخرة على عكس ذلك ، يتجلّى الغائب ويخفى الظاهر لأنها « يوم تبلى السرائر » ونحن الآن نتكلم في هذه النشأة الدنيا الحسية من النشأة الأخرى العلمية ، ولا يتصوّر شرح النشأة العلمية لمن هو في عالم المحسوس - من حيث هو في عالم المحسوس - إلا بمثال 98 ، فإن من تفطّن بالعقليات فهو إنما يعقلها من حيث كونه في عالم المعقول ، كما قال اللّه تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ 29 / 43 ] . وهذا لأن هذا العالم نوم بالإضافة إلى ذلك العالم كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا . وما سيكون في اليقظة لا يتبيّن في النوم إلا بضرب الأمثال المحوجة إلى التعبير ، وكذا ما سيكون في يقظة الآخرة لا يتبيّن في نوم الدنيا إلا في كسوة الأمثال على طرز ما يثبت في علم التعبير ، فإن التعبير من أوّله إلى آخره أمثلة فيعرفك ممارسة ذلك العلم طريق ضرب الأمثال . وليس للأنبياء عليهم السّلام أن يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال ، لأنهم كلّفوا