صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
191
تفسير القرآن الكريم
كثير حاجة إلى فعل هذه القوى كما يحصل لأهل اللّه « 1 » . ولقوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه شاهدين على أنفسهم بالكفر - لكونهم جسمانية والتجرد شرط الايمان والمعرفة - أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون * انّما يعمر مساجد اللّه - بالمعرفة والعبودية - من آمن باللّه واليوم الآخر وأقام الصلاة - أي ذكر اللّه - وآتى الزكاة - أي من الأجساد التي في تصرفه فتزكيها بتحليلها بالرياضات والعبادات في سبيل المعرفة - ولم يخش الّا اللّه - لكونه عالما به وانّما يخشى اللّه من عباده العلماء - فعسى أولئك ان يكونوا من المهتدين - إلى طريق الآخرة وعالم القدس - أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام - اللتان هما فعل الغاذية والنامية ، إذا القوى الطائفة بكعبة البيت الحرام في مسجد الصدر إنما تتقوت من فعل الغاذية وجسمية هذا المسجد إنما يتعمّر بفعل النامية - كمن آمن باللّه واليوم الآخر - وهي القوة العقلية - وجاهد في سبيل اللّه - بمعارضتها ومصادمتها للواهمة ووساوسها الشيطانية - لا يستوون عند اللّه واللّه لا يهدى القوم الظّالمين * الّذين آمنوا وهاجروا - من موطن الجسمية إلى عالم التجرد والملكوت - وجاهدوا في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم - من المواد البدنية والقوى المحمولة لها - أعظم درجة عند اللّه وأولئك هم الفائزون * يبشّرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنّات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا انّ اللّه عنده أجر عظيم « 2 » . وكما إنه قد يستعين المجاهدون في مجاهدة طائفة من الكفار بطائفة أخرى منهم كذلك في مجاهدة النفس يقع نظيره ، كما يدفع الإنسان ثورة ( سورة ) الشهوة بالغضب ، فإن بالغضب ينكسر الشهوة كما ينهزم الخنزير من النمر ، فالحكيم تارة يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه ومرة يدفع ضراوة هذا الكلب بتسليط الخنزير عليه ، ليجعل الكل مقهورا تحت سياسته ، منخرطا في سلك عباد اللّه المسلمين ، ويظهر
--> ( 1 ) الآية من سورة التوبة : 9 / 28 . ( 2 ) الآية من سورة التوبة : 9 / 17 - 21 .