صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

183

تفسير القرآن الكريم

مكاشفة اعلم أن اللّه تعالى كما ينزل على أشرف رسله محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم آيات بينات ليخرج الناس من ظلمة الغباوة والغواية إلى نور الدراية والهداية ، فما من عبد من عباده المهتدين إلا ويأتيه من قبله تعالى إشارات وتنبيهات وينزل منه على قلبه أنوار متتاليات ليخرج بها من ظلمة الحجب الدنياوية إلى نور المعارف الأخروية ، ولكن الناس أكثرهم غافلون عنها لاشتغالهم بما يلهيهم عن ذكر اللّه وينسيهم أمر الآخرة ، فلا يبعد أن يكون هذه الآية بيانا لأخذ الميثاق المذكور في الآية المتقدمة ، فإن اللّه سبحانه خلق عباده على فطرة التجرد والنقاء عن علائق الأجرام ، والتقدس والصفا عن كدورات الآثام ، والتهيؤ لقبول دعوة الحق والإلهام واستعداد الترقي بواسطة العلم والعلم إلى أرفع المنازل في دار السّلام ، ثم إذا أنشأهم في هذه الحياة الدنيا ربّاهم وأكملهم وأعطيهم العقل والتمييز وبعث إليهم الرسول مؤيدا بالمعجزات ، فلا يزال ينزل على قلوبهم آيات بينات من أنوار معرفته ويفتح عليهم أبوابا من فنون رحمته وهدايته ليهديهم إلى صراط مستقيم ويخرجهم من ظلمات الجحيم إلى أنوار النعيم . وإنما ينسى الناس ذكر مواثيقهم الجبلية مع الحق وعهودهم الذاتية مع سكان ملكوته وسائر ما كانوا مفطورين عليه بطهارة ذواتهم المخمرة بيد القدرة أربعين صباحا - واستعدادهم للمعرفة واليقين تعلقاتهم بمشاغل الكون لضرورة حياتهم الدنيوية ويشغلهم عما يرد على قلوبهم من أنوار المعارف باطنا وظاهرا ويلهيهم عن ألطاف الحق الواصلة إليهم داخلا وخارجا ارتكابهم الخطيئات واقترافهم السيئات المبعدة لهم عن جوار اللّه وقربه ، لأن المعاصي تعمى أبصارهم وتصمّ أسماعهم عن إدراك أنوار الحق والهاماته ، فأعرضوا بها عن ذكر اللّه وسماع آياته البينات واشتغلوا بما يلهيهم به الشيطان عما يلهمهم به الرحمان ، لقوله تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ