صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

163

تفسير القرآن الكريم

وكانت في عالمها الروحاني ومحلها النوراني مقبلة على مفيضها ومبدعها ومكملها يقبل عنه الفيض والفضائل الكثيرة وكانت منعمة ملتذة مستريحة فرحانة من تلك الفضائل والخيرات فأخذها شبيه المخاض ، فأقبلت تطلب ما تفيض عليه من تلك الخيرات وكان الجسم بحسب هيوليته فارغا قبل ذلك من الأشكال والصور والنقوش ، فأقبلت النفس على الهيولى ليميز الكثيف من اللطيف ويفيض عليه تلك الفضائل والخيرات . فلمّا رأى الباري جل ذكره ذلك منها ومن الجسم تهيؤا لها فخلق من ذلك الجسم عالم الأفلاك وأطباق السماوات من لدن العرش إلى قرار الأرضين على أحسن نظام وترتيب ممّا هي عليه الآن ، وهكذا يفيض تلك الفضائل والخيرات من الصور والكيفيّات متجددة متعاقبة في أزمنة متطاولة ودهور كثيرة لاستحالة الجمع بين الصورتين في زمان واحد . فمهما استوفت إفاضة الصور والكيفيات المقدرة في قضاء اللّه وقدره على المواد الفلكية والعنصرية سكنت الأفلاك عن الدوران ، والكواكب عن السير ، والأركان عن الاختلاط والمزاج ، وكلّت القوى الجسمانية والآلات ، وبلى الحيوان والمعادن والنبات ، وخلع الصور والأشكال والنقوش ، وانفطرت السماوات وانشقّت ، وهدمت الجبال وبست ، وتبقى فارغة كما كانت بديّا . فرجعت النفس المدبرة الكلية إلى عالمها الروحاني ومحلها النوراني وحالتها الأولى وأعرضت عن شغلها الذي كان وأقبلت نحو علتها المفيضة ولحقت بها . لأن مثل النفس في إقبالها على الجسم واشتغالها بتدبيره وإصلاحه - بعد ما كانت مقبلة على مبدعها مستفيدة منه الفيض - كمثل الرجل الخيرّ العاقل المقبل أولا على استاده المحب لعلمه ، الحريص في تعليمه للعلوم والحكم والمعارف ، المتخلق بأخلاقه الجميلة وآدابه الصحيحة برهة من الزمان حتى امتلأ من الخيرات والفضائل والعلوم والحكم أخذه عند ذلك شبه المخاض واشتهى وتمنى وطلب من يفيض عليه من تلك الخيرات والفضائل ويفيده إياها ، فإذا وجد تلميذا يعلم إنّه