صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

147

تفسير القرآن الكريم

منها قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [ 24 / 41 ] . ومنها قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [ 22 / 18 ] . وفي هاتين الآيتين إشعار بأن هذا تسبيح فطري 9 وسجود ذاتي نشأ عن تجلى الحق لكل من خلق اللّه له وأنطقه الذي أنطق كل شيء ، فأحبّوه وتواضعوا له من غير تكليف ، بل اقتضاء ذاتي طباعي ، والذي يمنع من هذه العبادة الذاتية الأفكار الوهمية والتخيّلات الشيطانية التي تكون لأكثر الناس التي بها يستحق كثير منهم العقوبة والعذاب ، كقوله تعالى : وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ [ 22 / 18 ] . والنكتة في أن « ألم تر » اتي بها بصيغة خطاب المفرد إن غير النبي لم يشهد ذلك فهو له عيان ، ولنا ايمان . 10 ومنها قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [ 16 / 48 ] . وكذا أمثالها ونظائرها من الآيات الدالة على وقوع التسبيح من جميع الموجودات حقيقة على وجه يستلزم الشعور والإدراك ، وكفاك في هذا التعميم والشمول قوله تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ 17 / 44 ] . وحكاية تسبيح الحصى في كفّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وسماعه وإسماعه أمر مشهور وفي ألسنة الرواة مذكور ، وبالايمان والتصديق مقرون عند الجمهور . ويعتضد أيضا بما روي عن ابن مسعود إنه قال : كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها ، فما استقبله حجر ولا شجر إلا ويقول السّلام عليك يا رسول اللّه « 1 » وأمثاله كثيرة في الروايات فلا وجه للعدول عن الظاهر المنقول المتلقى بالقبول

--> ( 1 ) رواه الترمذي عن علي عليه السّلام : كتاب المناقب ، باب 6 : 5 / 593 .