صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
128
تفسير القرآن الكريم
جميع الخلائق يوم القيامة من ماهية الإنسان وعقله الهيولاني . ووجه ذلك ان تكرر الأفاعيل والانفعالات البدنية يوجب حدوث الأخلاق والملكات النفسانية ، وكل صفة وملكة تغلب على باطن الإنسان يتصور في الآخرة بصورة تناسبها ، ولا شك إن أفاعيل الأشقياء المدبرين بحسب هممهم القاصرة عن ارتقاء عالم الملكوت ، النازلين بحسب دواعيهم الخسيسة في البرازخ الحيوانية بالأعمال الشهوية والغضبية والوهمية البهيمية والسبعية والشيطانية ، فلا جرم تكون تصوراتهم مقصورة على أغراض حيوانية أو شيطانية تغلب على نفوسهم ، ويحشرون على صور تلك الحيوانات والشياطين في دار الآخرة ، كما في قوله : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [ 81 / 5 ] وقوله : لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ [ 19 / 68 ] وقوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ 43 / 36 ] وفي الحديث « 1 » : « يحشر الناس على نياتهم » « يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القردة والخنازير » وهكذا الناس يتصورون بصورهم الحقيقية الأخروية التي تقتضي ملكاتهم وأخلاقهم على أهل الكشف وأصحاب الشهود ، الذين غلب على باطنهم سلطان الآخرة ، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 26 ] أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) « الواو » للعطف على معطوف عليه أمر منوي من جنس المعطوف ، والفاعل في « يهد » ما دل عليه « كم » أي كثرة إهلاكنا القرون ، لا نفس « كم » لأنها لا تقع فاعلة ، فلا يقال : « جاءني كم رجل » ولأن « كم » في محل النصب على تقدير الاستفهام
--> ( 1 ) المسند : 2 / 392 .